مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 2 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 195 من 530

هات ويحك ، قال : اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلتَ : عليٌّ معه الآخرة في غير دنيا ، وفي الآخرة عوض من الدنيا. ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة ، وليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت واقفٌ بينهما.

قال : فإنّك والله ما أخطأت ، فما ترى يا وردان؟ قال : أرى أن تقيم في بيتك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك. قال : الآن لمّا شهدت العرب مسيري إلى معاوية ، فارتحل وهو يقول :

يا قاتلَ اللهُ ورداناً وفطنَتهُ  

أبدى لَعَمْرُكَ ما في النفسِ وردانُ  

لمّا تعرّضتِ الدنيا عرضتُ لها  

بحرص نفسي وفي الأطباع إدهانُ  

نفسٌ تَعِفُّ وأخرى الحرصُ يقلبُها (1)  

والمرء يأكلُ تِبناً وهو غَرثانُ (2)  

أمّا عليٌّ فدينٌ ليس يَشرَكُهُ  

دنيا وذاك له دنياً وسلطانُ  

فاخترتُ من طمعي دنياً على بصرٍ  

وما معي بالذي أختار برهانُ  

إنّي لأعرفُ ما فيها وأُبصرُهُ  

وفيَّ أيضاً لما أهواهُ ألوانُ  

لكنَّ نفسي تُحبُ العيشَ في شَرَفٍ  

وليس يرضى بذُلِّ العيش إنسانُ  

عمروٌ لعمرُ أبيه غيرُ مُشتبهٍ  

والمرءُ يعطسُ والوَسنان وسنانُ  

فسار حتى قدم على معاوية ، وعرف حاجة معاوية إليه ، فباعده من نفسه ، وكايد كلُّ واحد منهما صاحبه.

فلمّا دخل عليه قال : يا أبا عبد الله طَرَقَتْنا في ليلتنا هذه ثلاثة أخبار ليس فيها وِرْدٌ ولا صدرٌ. قال : وما ذاك؟ قال : ذاك أنّ محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر ، فخرج هو وأصحابه ، وهو من آفات هذا الدين. ومنها أنّ قيصر زحف بجماعة الروم إليَّ ليتغلّب على الشام. ومنها : أنّ عليّا نزل الكوفة متهيِّئاً للمسير إلينا.

__________________

(1) في شرح ابن أبي الحديد [2 / 63 خطبة 26] : يغلبها. (المؤلف)

(2) غرث غرثاً : جاع. فهو غرثان. والجمع غرثى وغراث وغراثى. (المؤلف)

الصفحة 195 من 530