مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 11 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 33 من 403

وهذا هو المذهب عند الفقهاء الشافعية والقدماء من الحنفية ، وكانوا ينسبون القول بخلاف ذلك إلى المعتزلة ، إلا أن المتأخرين منهم تعدون ذلك نسخا ويخصون التخصيص بما يكون دليله متصلا ويجوزون الخلف في الوعيد ، ويقولون الكذب يكون في الماضي دون المستقبل ، وهذا ظاهر الفساد فإن الأخبار بالشيء على خلاف ما هو كذب ، سواء كان في الماضي أو في المستقبل ، قال الله تعالى : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً » (1) ثم قال : « وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ » على أن المذهب عندنا أن أخبار الله تعالى أزلي لا يتعلق بالزمان ولا يتغير المخبر به ، على ما سبق في بحث الكلام.

ثم قال : وللإمام الرازي هنا جواب إلزامي وهو أن صدق كلامه لما كان عندنا أزليا امتنع كذبه ، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، وأما عندكم فإنما امتنع كذبه لكونه قبيحا ، ولم قلتم أن هذا الكذب قبيح وقد توقف عليه العفو الذي هو غاية الكرم ، وهذا كمن أخبر أنه يقتل زيدا غدا ظلما ، ففي الغد إما أن يكون الحسن قتله وهو باطل ، وأما ترك قتله وهو الحق لكنه لا يوجد إلا عند وجود الكذب ، وما لا يوجد الحسن إلا عند وجوده حسن قطعا فهذا الكذب حسن قطعا.

ويمكن دفعه بأن الكذب في إخبار الله تعالى قبيح وإن تضمن وجوها من المصلحة ، وتوقف عليه أنواع من الحسن لما فيه من مفاسد لا تحصى ، ومطاعن في الإسلام لا تخفى ، منها مقال الفلاسفة في المعاد ، ومجال الملاحدة في العناد ، ومنها بطلان ما وقع عليه الإجماع من القطع بوجود الكفار في النار ، فإن غاية الأمر شهادة النصوص القاطعة بذلك وإذا جاز الخلف لم يبق القطع إلا عند شرذمة لا

__________________

(1) سورة الحشر : 11.

الصفحة 33 من 403