مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 10 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 357 من 439

لا يصلح لسانان في فم واحد ولا سيفان في غمد واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الأذهان.

ويحب الدنيا فهو كذي اللسانين ، الجامع بين مؤالفة المتباغضين فإن الدنيا والآخرة كضرتين وطاعة الله وطاعة الهوى كالمتباغضين ، فقلبه منافق ذو لسانين ، لسان منه مع الله والآخر مع ما سواه فهذا أولى بالذم من ذي اللسانين.

وتحقيقه : أن بدن الإنسان بمنزلة مدينة كبيرة لها حصن منيع هو القلب ، بل هو العالم الصغير من جهة ، والعالم الكبير من جهة أخرى ، والله سبحانه هو سلطان القلب ومدبره ، بل القلب عرشه ، وحصنه بالعقل والملائكة ، ونوره بالأنوار الملكوتية ، واستخدمه القوي الظاهرة والباطنة ، والجوارح والأعضاء الكثيرة ولهذا الحصن أعداء كثيرة من النفس الأمارة والشياطين الغدارة ، وأصناف الشهوات النفسانية والشبهات الشيطانية ، فإذا مال العبد بتأييده سبحانه إلى عالم الملكوت ، وصفى قلبه بالطاعات والرياضات عن شوك الشكوك والشبهات ، وقذارة الميل إلى الشهوات استولى عليه حبه تعالى ، ومنعه عن حب غيره ، فصارت القوي والمشاعر وجميع الآلات البدنية مطيعة منقادة له ، ولا يأتي شيء منها بما ينافي رضاه.

وإذا غلبت عليه الشقوة وسقط في مهاوي الطبيعة ، استولى الشيطان على قلبه وجعله مستقر ملكه ونفرت عنه الملائكة ، وأحاطت به الشياطين ، وصارت أعماله كلها للدنيا وإرادته كلها للهوى ، فيدعي أنه يعبد الله وقد نسي الرحمن وهو يعبد النفس والشيطان.

فظهر أنه لا يجتمع حب الله وحب الدنيا ومتابعة الله ومتابعة الهوى في قلب واحد ، وليس للإنسان قلبان حتى يحب بأحدهما الرب تعالى ويقصده بأعماله ، ويحب بالآخر الدنيا وشهواتها ويقصدها في أفعاله ، كما قال سبحانه : « ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » (1) ومثل سبحانه لذلك باللسان والسيف ، فكما لا يكون

__________________

(1) سورة الأحزاب : 4.

الصفحة 357 من 439