مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 10 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 256 من 439

فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده ، وعالم بحظه ونصيبه منه ، وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوت والكسوة حتى لا يهلك.

وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة ، وانصرف الهمة إلى الاستعداد له ، وإن تعدى به قدر الضرورة كثرة الأشغال ، وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير النهاية فتشعب به الهموم ومن تشعب به الهموم في أودية الدنيا فلا يبال الله في أي واد أهلكه ، فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا.

وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان فلم يتركهم وأضلهم في الأغراض أيضا حتى انقسموا إلى طوائف ، فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة والآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها ، سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد ، فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا ، وإليه ذهب طوائف من عباد الهند فهم يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم بالإحراق ، ويظنون أن ذلك خلاص منهم من سجن الدنيا.

وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية وقلعها عن النفس بالكلية ، وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب ثم أقبلوا على المجاهدة فشددوا حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة ، وبعضهم فسد عقله وجن ، وبعضهم مرض وانسدت عليه طرق العبادة ، وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية ، فظن أن ما كلفه الشرع محال ، وأن الشرع تلبيس لا أصل له ، فوقع في الإلحاد والزندقة.

وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله ، وأن الله مستغن عن عبادة العباد ، لا ينقصه عصيان عاص ولا يزيده عبادة عابد ، فعادوا إلى الشهوات وسلكوا مسالك الإباحة

الصفحة 256 من 439