مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 10 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 249 من 439

على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها ، هو أيضا عذاب.

فالدنيا قليلها وكثيرها حلالها وحرامها ملعونة إلا ما أعان على تقوى الله ، كان ذلك القدر ليس من الدنيا ، وكل من كانت معرفته أقوى وأتقن كان حذره من نعيم الدنيا أشد ، ولهذا زوى الله تعالى الدنيا عن نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان يطوي أياما وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع ، ولهذا سلط الله البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ، كل ذلك نظرا لهم وامتنانا عليهم ليتوفر من الآخرة حظهم ، كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه ، ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه ، وحبا له لا بخلا به عليه.

وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو للدنيا ، وما هو لله فليس من الدنيا فإن قلت : فما الذي هو لله؟

فأقول : الأشياء ثلاثة أقسام ، منها : ما لا يتصور أن يكون لله ، وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات ، وأنواع التنعمات في المباحات وهي الدنيا المحضة المذمومة فهي الدنيا صورة ومعنى.

ومنها : ما صورتها لله ويمكن أن يجعل لغير الله ، وهي ثلاثة : الفكر والذكر والكف عن الشهوات ، فهذه الثلاث إذا جرت سرا ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الآخر فهي لله ، وليست من الدنيا ، وإن كان الغرض من النظر طلب العلم للتشرف وطلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة ، أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحة البدن أو الاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى وإن كان يظن بصورتها أنها لله.

ومنها : ما صورتها لحظ النفس ويمكن أن يجعل معناه لله ، وذلك كالأكل والنكاح وكل ما يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده ، فإن كان القصد حظ النفس فهو من

الصفحة 249 من 439