مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 10 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 197 من 439

تعمله ، من قليل وكثير ونقير وقطمير ، وأكل وشرب وقيام وقعود ، وقد نسيت ذلك وأحصاه الله فهلم إلى الحساب واستعد للجواب أو يساق إلى دار العذاب ، فيتقطع قلبه هول هذا الخطاب من قبل أن ينشر الصحف ويشاهد ما فيها من مخازيه ، فإذا شاهدها قال : « يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها » (1).

فهذا آخر أمره ، وهو معنى قوله عز وجل : « ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ » فما لمن هذه حاله والتكبر ، بل ماله وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر فقد ظهر له أول حاله ووسطه ، ولو ظهر آخره والعياذ بالله ربما اختار أن يكون كلبا وخنزيرا ليصير مع البهائم ترابا ، ولا يكون إنسانا يسمع خطابا ، ويلقى عذابا وإن كان عند الله مستحقا للنار ، فالخنزير أشرف منه وأطيب وأرفع إذ أوله التراب وآخره التراب ، وهو بمعزل عن الحساب والعذاب ، والكلب والخنزير لا يهرب منه الخلق ولو رأى أهل الدنيا العبد المذنب في النار لصعقوا من وحشة خلقته ، وقبح صورته ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه ، ولو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقاه في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيف.

فمن هذا حاله في العاقبة إلا أن يعفى عنه وهو على شك من العفو فكيف يتكبر ، وكيف يرى نفسه شيئا حتى يعتقد لها فضلا ، وأي عبد لم يذنب ذنبا استحق به العقوبة إلا أن يعفو الكريم بفضله ، أرأيت من جنى على بعض الملوك بما استحق به ألف سوط فحبس في السجن وهو منتظر أن يخرج إلى العرض ويقام عليه العقوبة على بلاء من الخلق ، وليس يدري أيعفى عنه أم لا ، كيف يكون ذلة في السجن أفترى أنه يتكبر على من معه في السجن وما من عبد مذنب إلا والدنيا

__________________

(1) سورة الكهف : 49.

الصفحة 197 من 439