مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 10 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 195 من 439

أخس من لا شيء ، وأي قلة أقل من العدم المحض ، ثم صار بالله شيئا وإنما خلقه من التراب الذليل ، والنطفة القذرة بعد العدم المحض ، ليعرف خسة ذاته فيعرف به نفسه ، وإنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه ، ويعلم بها عظمته وجلاله ، وأنه لا يليق الكبرياء إلا به ، ولذلك امتن عليه فقال تعالى : « أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ » (1) وعرف خسته أولا فقال : « أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً » (2) ثم ذكر مننه فقال : « فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى » ليدوم وجوده بالتناسل كما حصل وجوده ابتداء بالاختراع ، فمن كان هذا بدؤه وهذه أحواله فمن أين له البطر والكبرياء والفخر والخيلاء ، وهو على التحقيق أخس الأخساء وأضعف الضعفاء ، نعم لو أكمله وفوض إليه أمره وأدام له الوجود باختياره لجاز أن يطفئ وينسى المبدأ والمنتهى ، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة ، والآفات المختلفة ، والطبائع المتضادة من المرة والبلغم ، والريح والدم ، ليهدم البعض من أجزائه البعض ، شاء أم أبي ، رضي أم سخط ، فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرا يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، ويريد أن يذكر الشيء فينساه ، ويريد أن ينسى الشيء فيغفل عنه فلا يغفل ، ويريد أن ينصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في أودية الوسواس والأفكار بالاضطرار ، فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه ، يشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ، ويكره الشيء وتكون حياته فيه ، يستلذ الأطعمة فتهلكه وترديه ، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ، لا يأمن في لحظة من ليله ونهاره أن يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته ، وتفلج أعضاؤه ، ويختلس عقله ، ويختطف روحه ، ويسلب

__________________

(1) سورة البلد : 8 9.

(2) سورة القيامة : 38.

الصفحة 195 من 439