مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 10 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 190 من 439

منة على الخلق ، وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا سمعتم الرجل يقول : هلك الناس فهو أهلكهم ، وروي أن رجلا في بني إسرائيل يقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده ، مر برجل آخر يقال له عابد بني إسرائيل ، وكان على رأس العابد غمامة تظله لما مر الخليع به ، فقال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعل الله يرحمني فجلس إليه ، فقال العابد في نفسه : أنا عابد بني إسرائيل كيف يجلس إلى؟ فأنف منه ، وقال له : قم عني ، فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان مر هما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد وفي حديث آخر : فتحولت الغمامة إلى رأس الخليع.

وهذه آفة لا ينفك عنها أحد من العباد إلا من عصمه الله ، لكن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات :

الدرجة الأولى : أن يكون الكبر مستقرا في قلبه يرى نفسه خيرا من غيره إلا أنه يجتهد ويتواضع ويفعل فعل من يرى غيره خيرا من نفسه ، وهذا قد رسخت في قلبه شجرة الكبر ولكنه قطع أغصانها بالكلية.

الثانية : أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفع في المجالس والتقدم على الأقران وإظهار الإنكار على من يقصر في حقه ، وأدنى ذلك في العالم أن يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم ، وفي العابد أن يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنه متنزه عن الناس مستقذر لهم أو غضبان عليهم ، وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى يقطبها ، ولا في الوجه حتى يعبس ، ولا في الخد حتى يصعر ، ولا في الرقبة حتى يطأطئ ، ولا في الذيل حتى يضم ، إنما الورع في القلوب ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : التقوى هيهنا ، وأشار إلى صدره.

وهؤلاء أخف حالا ممن هو في المرتبة الثالثة ، وهو الذي يظهر الكبر على

الصفحة 190 من 439