مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 10 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 189 من 439

« إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » (1) فأما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات ، فإذا تجرد الإنسان لها حتى امتلاء بها ، امتلاء كبرا ونفاقا وهذه بأن تسمى صناعات أولى من أن تسمى علوما ، بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية وطريق العبادة ، وهذا يورث التواضع غالبا.

السبب الثاني : أن يخوض العبد في العلم ، وهو خبيث الدخلة رديء النفس سني الأخلاق ، فلم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات ، ولم يرض نفسه في عبادة ربه فبقي خبيث الجوهر ، فإذا خاض في العلم أي علم كان صادف العلم قلبه منزلا خبيثا ، فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره ، وقد ضرب وهب لهذا مثلا فقال : العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها ، فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة ، وكذلك العلم يحفظه الرجال فيحوله على قدر هممهم وأهوائهم فيزيد المتكبر تكبرا ، والمتواضع تواضعا وهذا لأن من كانت همته الكبر وهو جاهل فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به ، فازداد كبرا وإذا كان خائفا مع جهله فإذا ازداد علما علم أن الحجة قد تأكدت عليه ، فيزداد خوفا وإشفاقا وتواضعا فالعلم من أعظم ما به يتكبر.

الثاني : العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة العز والكبر واستمالة قلوب الناس ، الزهاد والعباد ، ويترشح الكبر منهم في الدنيا والدين ، أما الدنيا فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى من أنفسهم بزيارة غيرهم ، ويتوقعون قيام الناس بحوائجهم وتوقيرهم والتوسيع لهم في المجالس ، وذكرهم بالورع والتقوى ، وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ ، إلى غير ذلك مما مر في حق العلماء ، وكأنهم يرون عبادتهم

__________________

(1) سورة فاطر : 28.

الصفحة 189 من 439