مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 8 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 37 من 432

النَّاسَ وَاخْشَوْنِ » (1) وقال تبارك وتعالى : « وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً » (2) قال وقال

والخشية وإن كانا بمعنى واحد في اللغة إلا أن بينهما فرقا بين أرباب القلوب ، وهو أن الخوف تألم النفس من المكروه المنتظر ، والعقاب المتوقع بسبب احتمال فعل المنهيات وترك الطاعات ، وهو يحصل لأكثر الخلق وإن كانت مراتبه متفاوتة جدا والمرتبة العليا منه لا تحصل إلا للقليل ، والخشية حالة نفسانية تنشأ عن الشعور بعظمة الرب وهيبته ، وخوف الحجب عنه ، وهذه الحالة لا تحصل إلا لمن اطلع على جلال الكبرياء وذاق لذة القرب ، ولذلك قال سبحانه : « إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » والخشية خوف خاص وقد يطلقون عليها الخوف أيضا ، انتهى.

« وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً » التقوى على مراتب : أولها : التبري عن الشرك وما يوجب الخلود في النار ، وثانيها : التجنب عما يؤثم والاتقاء عن العذاب مطلقا ، وثالثها : التنزه عما يشغل القلب عن الحق ، وبناء الكل على الخوف من العقوبة ، والبعد عن الحق.

ولعل المراد هنا إحدى الأخيرتين ، أي ومن يتق الله خوفا منه يجعل له مخرجا من شدائد الدنيا والآخرة ، كما روي عن ابن عباس أو من ضيق المعاش كما يشعر به قوله تعالى : « وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ » قيل : وكان السر في الأول أن شدائد الدارين من الحرص على الدنيا واقتراف الذنوب والغفلة عن الحق والمتقي منزه عن جميع ذلك ، وفي الثاني أن فيضه تعالى وجوده عام لا بخل فيه ، وإنما المانع من قبول فيضه هو بعد العبد عنه ، وعدم استعداده له بالذنوب ، فإذا اتقى منها قرب منه تعالى ، واستحق قبول فيضه بلا تعب ولا كلفة ، فيجمع بذلك خير الدنيا والآخرة.

__________________

(1) سورة المائدة : 44.

(2) سورة الطلاق : 2.

الصفحة 37 من 432