مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 7 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 43 من 374

ترى إلى قول الشاعر :

وقالت له العينان سمعا وطاعة  

وأسبلتا كالدر ما لم يثقب  

والعينان لم تقل قولا مسموعا ولكنه أراد منها البكاء ، فكانتا كما أراد من غير تعذر عليه ، ومثله قول عنترة :

فازود من وقع القنا بلبانه  

وشكا إلى بعبرة وتحمحم  

والفرس لا يشتكي قولا لكنه ظهر منه علامة الخوف والجزع ، فسمي ذلك قولا ، ومنه قول الآخر : « وشكا إلى جملي طول السري » والجمل لا يتكلم لكنه لما ظهر منه النصب والوصب لطول السري عبر عن هذه العلامة بالشكوى التي يكون كالنطق والكلام ، ومنه قولهم أيضا :

امتلاء الحوض وقال قطني  

حسبك مني قد ملأت بطني  

والحوض لم يقل قطني لكنه لما امتلاء بالماء عبر عنه بأنه قال : حسبي ، ولذلك أمثال كثيرة في منثور كلام العرب ومنظومة ، وهو من الشواهد على ما ذكرناه في تأويل الآية ، والله تعالى نسأل التوفيق.

« فصل » فأما الخبر بأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد ، وقد روته العامة كما روته الخاصة ، وليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته ، وإنما نقله رواته لحسن الظن به ، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد واخترع الأجساد واخترع لها الأرواح ، فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه ، وليس بخلق لذواتها كما وصفناه ، والخلق لها بالإحداث والاختراع بعد خلق الأجساد والصور التي تدبرها الأرواح ، ولو لا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح يقوم بأنفسها ولا تحتاج إلى آلات تعتملها ، ولكنا نعرف ما سلف لنا من الأحوال قبل خلق الأجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد ، وهذا محال لإخفاء بفساده.

الصفحة 43 من 374