الله عليهم من الاستعاذة بالله من ذنب لا يوفق صاحبه للتوبة بعده أبدا. ثم أقول : هيهنا دقيقة أخرى وهي أنه يستفاد من قوله تعالى : « وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ » (1) أي نجد الخير ونجد الشر ، ومن نظائره من الآيات والروايات ، ومن قوله تعالى : « أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ » (2) ومن نظائره من الآيات والروايات أن تصوير النجدين وتمييز نجد الخير من نجد الشر من جانبه تعالى ، وأنه تعالى قد يحول بين المرء وبين أن يميل إلى الباطل ، وقد لا يحول ويخلي بينه وبين الشيطان ليضله عن الحق ويلهمه الباطل ، وذلك نوع من غضبه ، ويتضرع على اختيار العبد العمى بعد أن عرفه الله تعالى نجد الخير ونجد الشر ، فهذا معنى كونه تعالى هاديا ومضلا ، وبالجملة أن الله يقعد أولا في أحد أذني قلب الإنسان ملكا ، وفي أحد أذنيه شيطانا ثم يلقى في قلبه اليقين بالمعارف الضرورية ، فإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف والعمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه ، وإن عزم على إخفائها وإظهار خلافها يرفع الملك عن قلبه ويخلي بينه وبين الشيطان ليلقي في قلبه الأباطيل الظنية ، وهذا معنى كونه تعالى مضلا لبعض عباده « انتهى ».
وقال بعض المحققين في جواب استدلال الأشاعرة بقوله تعالى : « يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ » (3) على مذهبهم الفاسد : هذا مدفوع بما فصله الأصحاب في تحقيق معنى الهداية والضلالة ، وحاصله أن الهدى يستعمل في اللغة بمعنى الدلالة والإرشاد نحو « إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى » (4) وبمعنى التوفيق نحو « وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً » (5) وبمعنى الثواب نحو « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ » (6) وبمعنى الفوز والنجاة نحو « لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ » (7)
__________________
(1) سورة البلد : 10.
(2) سورة الأنفال : 24.
(3) سورة النحل : 93.
(4) سورة الليل : 12.
(5) سورة محمد : 17.
(6) سورة يونس : 9.
(7) سورة إبراهيم : 21.




