مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 2 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 228 من 454

النظر في معرفة الله تعالى ، بل إجماع الأمة عليه ، وإنما اختلفوا في أن وجوبها عقلي أو شرعي ونسب إلى البراهمة أنها تحصل بالإلهام ، وإلى الملاحدة أنها تحصل بالتعليم ، وإلى المتصوفة أنها تحصل بتصفية الباطن والرياضات ، وربما يقال : إن النظر في معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله والعقائد الدينية على ما تفعله المتكلمون بدعة في الدين ، لم ينقل عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والصحابة والخلفاء الراشدين ، ولو كانوا قد اشتغلوا بها لنقل إلينا لتوفر الدواعي على نقله كما نقل اشتغالهم بالمسائل الفقهية على اختلاف أصنافها ، وأجيب بمنع عدم النقل بل تواتر أنهم كانوا يبحثون عن دلائل التوحيد وما يتعلق به ، والقرآن مملوء منه ، وهل ما يذكر في كتب الكلام إلا قطرة من بحر مما نطق به الكتاب الكريم؟ نعم أنهم لم يدونوها ولم يشتغلوا بتقرير المذاهب وتحرير الاصطلاحات ، ولم يبالغوا في تفصيل الأسئلة وتلخيص الجوابات لاختصاصهم بصفاء النفوس وقوة الأذهان ، ومشاهدة الوحي المقتضية لفيضان أنوار العرفان ، والتمكن من مراجعة من يفيدهم ويدفع عنهم ما عسى أن يعرض لهم من الشكوك والشبهات في كل حين ، مع قلة عناد المعاندين وندرة تشكيك المشككين ، بخلاف زمان من بعدهم إلى زماننا هذا ، حيث كثرت المذاهب والمقالات ، وشاعت المنازعات والمجادلات ، فاجتمع بالتدريج لأهل الأعصار التالية جميع ما حدث في الأزمان والقرون الخالية ، فاحتيج إلى تدوين مسائل الكلام وتقرير كل ما أورد على كل حجة من النقض والإبرام.

قالوا : فإن ادعى أن هذا التدوين بدعة فرب بدعة حسنة ، وذلك بعينه كالاشتغال بتدوين الفقه وأصوله ، وترتيب أبوابه وفصوله ، فإنه حدث بعد ما لم يكن فكما ليس ذلك بقادح في الفقه ليس هذا بضائر للكلام ، وقد أمر الله سبحانه بالنظر في آيات كثيرة كقوله تعالى : « قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » (1) وقوله تعالى : « فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » (2) فأمر بالنظر وهو

__________________

(1) سورة يونس : 101.

(2) سورة الروم : 50.

الصفحة 228 من 454