مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 2 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 193 من 454

فقال لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما فيها الحق التي بينهما لا يعلمها إلا العالم أو من علمها إياه العالم.

قوله : التي بينهما ، مبتدأ « لا يعلمها » خبره ، أشار عليه‌السلام إلى دقة المنزلة بين المنزلتين وغموضها ، كما يظهر لمن تأمل فيها ، فإنها أصعب المسائل الدينية ، وقد تحير فيها العلماء من كل فرقة ، قال إمامهم الرازي : حال هذه المسألة عجيبة فإن الناس كانوا فيها مختلفين أبدا بسبب أن ما يمكن الرجوع إليه فيها متعارضة متدافعة ، فمعول الجبرية على أنه لا بد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد ، ومعول القدرية على أن العبد لو لم يكن قادرا على فعله لما حسن المدح والذم والأمر والنهي ، وهما مقدمتان بديهيتان.

ثم من الدلائل العقلية اعتماد الجبرية على أن تفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة للعبد ، واعتماد القدرية على أن أفعال العباد واقعة على وفق قصودهم ودواعيهم وهما متعارضان ، ومن الإلزامات الخطابية أن القدرة على الإيجاد كما لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان ، فإن أفعال العباد يكون سفها وعبثا فلا يليق المتعالي عن النقصان ، وأما الدلائل السمعية فالقرآن مملوء مما يوهم بالأمرين ، وكذا الآثار وأن أمة من الأمم لم تكن خالية من الفرقتين ، وكذا الأوضاع والحكايات متدافعة من الجانبين ، حتى قيل : إن وضع النرد على الجبر ووضع الشطرنج على القدر ، إلا أن مذهبنا أقوى بسبب أن القدح في قولنا لا يترجح الممكن إلا بمرجح [ لا ] يوجب انسداد باب إثبات الصانع.

ونحن نقول : الحق ما قال بعض أئمة الدين : أنه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين ، وذلك لأن مبني المبادئ القريبة لأفعال العبد على قدرته واختياره ، والمبادئ البعيدة على عجزه واضطراره ، فإن الإنسان مضطر في صورة مختار ، كالقلم في يد الكاتب ، والوتد في شق الحائط ، وفي كلام بعض العقلاء : قال الحائط للوتد : لم تشقني؟ قال : سل من يدقني « انتهى » وإنما أوردت كلامه لبيان حيرتهم واعترافه بالأمر بين الأمرين ، وإن لم يبين معناه على وجه يرفع الإشكال من البين.

الصفحة 193 من 454