مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - الجزء 1 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 48 من 356

بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) (1) وقال ( لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) (2) و

بما قرع آذانهم ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) وجه الأضلية إن البهائم معذورة لعدم القابلية والشعور ، وكانت لهم تلك القابلية فضيعوها ونزلوا أنفسهم منزلة البهائم أو أن الأنعام ألهمت منافعها ومضارها ، وهي لا تفعل ما يضرها ، وهؤلاء عرفوا طريق الهلاك والنجاة وسعوا في هلاك أنفسهم ، وأيضا تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ، ولأنها إن لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ، ولم تكتسب شرا ، بخلاف هؤلاء ، ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن ، وصد الناس عن الحق.

أقول : أو لأنها تعرف ربها ولها تسبيح وتقديس كما ورد به الأخبار ، وقيل : المراد إن شئت شبهتهم بالأنعام فلك ذلك ، بل لك أن تشبههم بأضل منها كالسباع.

قوله تعالى ( لا يُقاتِلُونَكُمْ ) نزلت في بني النضير من اليهود والذين وافقوهم وراسلوهم من منافقي المدينة ( جَمِيعاً ) أي مجتمعين ( إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ ) أي بالدروب والخنادق ، ( أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ) أي لفرط رهبتهم ( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ) أي ليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا بل لقذف الله الرعب في قلوبهم ، ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً ) أي مجتمعين متفقين [ غير متفرقين ] ( وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) أي متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) أي ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم.

__________________

(1) سورة الفرقان : 44.

(2) سورة الحشر : 14.

الصفحة 48 من 356