مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام) - الجزء 3 - الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 351 من 464

الذي يستفاد منه الترغيب إلى الإخلاص في المحبّة وكمال التوحيد فيها وما ذكره من الآيات ناشئ من عدم التأمّل في المراد من الطائفتين من الآيات والأحاديث ، فالطائفة الاولى تنظر إلى مقام اندكاك كلّ محبّة ومحبّة كلّ شيء في محبّة الله ، فلا محبوب للمحبّ إلّا هو ، فكلّ حبّ ومحبّ يفنى عنده ، فلا يرى شيئا ، ولا يحبّ أحدا سواه ، ولا يلتفت إلى رؤيته ما سواه وحبّه ما سواه كما إذا كان الإنسان مشغول القلب بالتفكّر في أمر ينسى ما سواه حتّى نفسه ، وحتّى ينسى اشتغاله بالتفكّر فيه ، ولمّا كان موسى عليه‌السلام في هذا المشهد العظيم مشتغل القلب بأمر أهله لأنّه جاء ليقتبس نارا ، وأمرهم بالمكث لأن يأتيهم منها بقبس ، أمره تعالى بأن يفرغ قلبه له ولما يوحى إليه في هذا المشهد المقدّس ، فالوصول بهذه المرتبة الرفيعة يناسب ترك الاشتغال بغير الله تعالى والتوجّه إلى غيره وإلى محبّة الأهل والولد ، وعلى هذا الشأن وأعلى مرتبته كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حال نزول الوحي إليه وغيره من الحالات المقتضية لذلك ، فالشئون متفاوتة ، والمشاهد والمقامات المتعالية القدسية لا تقاس مع غيرها من الشؤون والمقامات التي لا بدّ للنبي والولي التلبّس بها ، ولا يجوز في الحكمة ترفّعهما عنها ، بل هما مأموران بهما ، متقرّبان بهما إلى الله تعالى.

وأمّا المشهد الذي هو مشهد ظهور محبّة الله والانقطاع إليه ، ومشهد التشرّف بتكليم الله تعالى يقتضي ترك الاشتغال بغيره ، وفناء كلّ حبّ وحبيب فيه ، ولذا أسرع موسى بعد ذلك إلى الذهاب إلى فرعون امتثالا لأمره وترك أهله على حالهم ، وهذا شأن ترفع فيه النفس الإنسانية إلى أعلى المراتب الروحانية والقدسية الملكوتية.

الصفحة 351 من 464