مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام) - الجزء 2 - الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 257 من 556

__________________

منهم له لقاء ولا معه اجتماعا ، وهو الخضر عليه‌السلام موجود قبل زمان موسى الى وقتنا هذا باجماع أهل النقل ، واتّفاق أصحاب السير والأخبار ، سائحا في الأرض لا يعرف له أحد مستقرّا ، ولا يدّعي له اصطحابا إلّا ما جاء في القرآن به من قصّته مع موسى عليه‌السلام ، وما يذكره بعض الناس من أنّه يظهر أحيانا ولا يعرف ، ويظنّ بعض الناس رآه ، أنّه بعض الزهّاد فإذا فارق مكانه توهمه المسمّى بالخضر وإن لم يكن يعرف بعينه في الحال ولا ظنّه ، بل اعتقد أنّه بعض أهل الزمان ، انتهى كلامه في «الفصول العشرة». ثمّ ذكر غيبة موسى ويوسف ويونس وغيرهم. هذا ، وقد صرّح أبو عبد الله عليه‌السلام بأنّ وجه الحكمة في غيبته لا ينكشف إلّا بعد ظهوره ، وأنّه من أسرار الله (في حديث عبد الله بن الفضل الهاشمي الحديث الأوّل من هذا الباب) ، فعليه يصحّ لنا أن نقول : بأنّ السبب الأصلي في حكمته خفي عنّا ، ولا ينكشف تمام الانكشاف إلّا بعد ظهوره.

نعم ، لها فوائد ومصالح معلومة غيره ، منها : امتحان العباد بغيبته ، واختبار مرتبة تسليمهم ومعرفتهم وإيمانهم بما اوحي إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبشّر به عن الله تعالى ، وقد جرت سنّة الله تعالى بامتحان عباده ، بل ليس خلق الناس وبعث الرسل ، وانزال الكتب إلّا للامتحان ، قال الله تعالى : (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ) ، وقال عزّ شأنه : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ، وقال سبحانه : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) ، ويستفاد من الأخبار الّتي تقف عليها في هذا الكتاب أنّ الامتحان بغيبة المهدي عليه‌السلام من أشدّ الامتحانات ، وأنّ المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد.

هذا مضافا إلى أنّ في التصديق وعقد القلب والالتزام والإيمان بما أخبر به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الامور الغيبيّة امتحانا وارتياضا خاصّا ، وثمرة لصفاء الباطن وقوّة التديّن بدين الله تعالى ، فامتحان الناس بغيبته عليه‌السلام يكون عملا وإيمانا وعلما ، أمّا عملا : فلما يحدث في زمان الغيبة من الفتن الشديدة الكثيرة ، ووقوع الناس في بليّات عظيمة بحيث يصير أصعب الامور المواظبة على الوظائف الدينيّة. وأمّا علما وإيمانا فلأنّه إيمان بالغيب ، فلا يؤمن به إلّا من كمل إيمانه ، وقويت معرفته ، وخلصت نيته.

والحاصل أنّ الناس ممتحنون في الإيمان بالله ، والتسليم والتصديق بما أخبر به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلّا أنّ الامتحان بالإيمان بما كان من الامور الغيبيّة ربّما

الصفحة 257 من 556