مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) - الجزء 24 - جعفر مرتضى العاملي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 335 من 352

لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله تعالى.

وجبر الله تبارك وتعالى أهل مكة بهذه الغزوة ، وفرّحهم بما نالوا من النصر والمغنم ، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم.

وإن كان عين جبرهم وقهرهم تمام نعمته عليهم ، بما صرفه عنهم من شر من كان يجاورهم من أشراف العرب ، من هوازن وثقيف ، بما أوقع بهم من الكسرة ، وبما قيّض لهم من دخولهم في الإسلام ، ولو لا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها.

ومن تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله سبحانه وتعالى لمسبباتها قدرا وشرعا ، فإن رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» أكمل الخلق توكلا ، فقد دخل مكة والبيضة على رأسه ، ولبس يوم حنين درعين ، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (1). وكثير ممن لا تحقيق عنده يستشكل هذا ويتكايس في الجواب ، تارة : بأن هذا فعله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» تعليما لأمته ، وتارة : بأن هذا كان قبل نزول الآية!!

لو تأمل : أن ضمان الله سبحانه وتعالى له العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها ، فإن هذا الضمان له من ربه تبارك وتعالى لا ينافي احتراسه من الناس ولا ينافيه ، كما أن إخبار الله عزوجل له بأنه يظهره على الدين كله ويعليه ، لا يناقض أمره بالقتال ، وإعداد العدة والقوة ، ورباط الخيل ، والأخذ بالجد والحذر ، والإحتراس من عدوه ، ومحاربته بأنواع الحرب ، والتورية ، فكان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها ، وذلك لأنه إخبار من الله تعالى

__________________

(1) الآية 67 من سورة المائدة.

الصفحة 335 من 352