مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) - الجزء 16 - جعفر مرتضى العاملي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 299 من 315

ونقول :

إن التأمل في هذا الذي جرى يدل دلالة واضحة على مكر هذا الرجل ، وعلى سوء سريرته ، حيث اختار هذه الطريقة التحريضية المثيرة ، التي من شأنها أن تلهب مشاعر الناس ، وتعجل باتخاذهم قرار الرفض ، تحت وطأة الشعور بالخوف والوجل من أمر مجهول لهم ، لم يطلعوا على أي شيء منه يفيد في طمأنتهم إلى مصيرهم ومستقبلهم معه ..

وقد كان بإمكانه أن يفعل كما فعل باذان ، وملك الحبشة ، وغيرهما من الملوك الذين أسلموا ، ولم يثيروا الناس من حولهم ، بل هم قد يسروا لهم سبيل الإيمان والهداية ، وأفسحوا لهم المجال في هذا الأمر ، بعيدا عن أجواء التشنج والإثارة والتحدي .. فأنار الله قلوبهم بالحق ، وفتح أعينهم على الخير ، وأسلموا لله رب العالمين ..

نعم ، إن ما فعله قيصر ، قد أوجب صدود الناس عن التفكير في حقيقة ما يعرضه رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» عليهم ، وأصبحوا يتعاملون بانفعال ، وبعصبية بالغة ، وبتحفظ شديد. وبذلك يكون قد أوصد أبواب الهداية إلى الله تعالى ، وحرمهم من بركاتها ..

وقد أكد هذا الصدود لديهم والإصرار على الممانعة منهم ، حين لوّح لهم بأن هذا النبي هو من قوم لم يكن يظن أن يكون منهم ، فأثار في نفوس أتباعه مشاعر الاستكبار ، والتعالي ، وساقهم إلى رفض الانصياع لنبي يخرج من قوم ليس لهم شأن ، ولا مقام ، ولا بد أن يعتبروا الانصياع لنبي من قوم لهم هذه الصفة نقيصة وعارا ، ولا يليق صدوره من أهل الشرف والشهامة ، والرياسة ، والزعامة.

الصفحة 299 من 315