مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) - الجزء 14 - جعفر مرتضى العاملي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 38 من 334

ثم زاد على ذلك : بأن تحمل أقسى وأعنف الآلام الروحية ، وهو يرى أباه يعلن براءته منه على الملأ من قريش ، وهي براءة تدلل على عمق الجرح الذي أحدثه قراره في نفس أبيه المفجوع به ، حيث واجهه بأعنف صدمة عاطفية ، وهو يرى خيبة آماله في ولده ، وفلذة كبده وأعز ما ومن في الوجود عليه.

والذي يزيد في هذه الآلام : أن ولده هذا لم يراع مكانة أبيه ، بل هو قد عرض موقعه الاجتماعي للاهتزاز ، حين أصر على البقاء في كنف إنسان آخر ، عاش معه ردحا طويلا على صفة العبودية. وإذا بهذا العبد يفضل سيده حتى على أهله وعشيرته ، وحتى على أبيه وأمه.

فما معنى : أن يفضل هذا الولد حياة العبودية مع سيده هذا على ما سواها ، دون أن يطلب لنفسه أي امتياز ، أو ضمانة ، أو دون أن يفكر بأي تغيير في مسار هذه الحياة ، مع من يطلب البقاء معهم ، والعيش في كنفهم؟!

ألا يدل ذلك : على أن في الأمر سرا عميقا ودقيقا ، قد يتجلى هذا السر في بعض وجوهه ، في أن السبب في عظمة النبي الأعظم «صلى‌الله‌عليه‌وآله» لم يكن هو تميّزه وتفرّده في الصفات والسمات البشرية ..

وإنما سببها هو : أنه ذلك الإنسان الإلهي الصافي ، والخالص ، الذي استحال على زيد بن حارثة ، رغم طول صحبته له ، واطلاعه عن قرب على حالاته المختلفة لقد استحال عليه : أن يجد فيه أي حالة من حالات الضعف البشري ..

بل هو يراه دائم التعالي والتسامي والرقي في منازل الكرامة وفي المقامات المحمودة ، ويشاهده وهو يزداد بهاء وسناء ، وتوهجا وتألقا في

الصفحة 38 من 334