مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) - الجزء 14 - جعفر مرتضى العاملي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 36 من 334

دون المستوى الذي ظنه فيهم ، وأقل مما توهمه عنهم ، فإذا طالت الصحبة ، ودامت مخالطته لهم ، فإن مستوى الإعجاب سوف يتراجع عما هو عليه ، ويتضاءل بصورة تدريجية ، تبعا لما يتكشف له من نقائص ، وما يظهر له من نقاط ضعف فيهم ، يسعى الناس عادة لإخفائها ، والتستر عليها.

ولكن هذا التراجع وظهور نقاط الضعف قد لا يبرر له قطع الرابطة معهم ، وذلك لأن عامل الإلف ، والعادة ، وربما الانجذاب إلى صفات أو حالات أو مصالح معينة يجدها فيهم ، تدفعه إلى توثيق العلاقة بهم ، وإدامتها ، وتحفظ له بعض الحيوية فيها.

ولكن حياة زيد بن حارثة مع رسول الله «صلى‌الله‌عليه‌وآله» لم تكن على هذه الصفة ، بل كان «رحمه‌الله» يكتشف فيه «صلى‌الله‌عليه‌وآله» كل آن ما هو جديد وفريد من الميزات والخصائص الإنسانية التي لا نظير لها ، والتي كان لتنامي قدرات زيد الروحية ، والإيمانية ، والفكرية ، والإدراكية الأثر الفعال في التعرف عليها ، والتفاعل معها ..

2 ومن جهة أخرى : فإن لعلاقة الرحم بالرحم خصوصية لا توجد فيما عداها ، مما عرفه الناس وألفوه ، خصوصا إذا كانت علاقة والد بولده ، وولد بأبيه ، ولا سيما إذا كان الوالد جليلا ، وكان الولد عاقلا نبيلا .. فكيف إذا ذكت هذه العلاقة ، وتأجج أوارها بفعل مأساة ، تمثلت في التحول من عز الحرية ، إلى ذل الأسر والعبودية ، حيث لا بد أن يؤذيه إحساسه بالضعف بعد القوة ، وبالمهانة والاستهانة ، بعد العيش في منازل السؤدد والكرامة ؛ فكيف إذا أصبح يواجه بالقسوة بعد الرحمة ، وبالإذلال بعد الدلال والإدلال ..

الصفحة 36 من 334