مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) - الجزء 10 - جعفر مرتضى العاملي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 88 من 329

ومن الواضح : أنه «صلى‌الله‌عليه‌وآله» لم يكن لينقض العهد ، ولا يباشر حربا مع أحد إلا إذا اضطرته الظروف وكان مع ذلك لين الطبع كريم النفس ، قد بلغ الغاية من النبل والأخلاق الكريمة ، حتى أنزل الله فيه : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (1).

وبعبارة أخرى : إنه إنما اتخذ هذا الموقف من أجل أن يعيد إلى ذلك الرجل توازنه ، وليفهمه : أن الأمور أعمق وأخطر من أن يتلاعب ويستخف بها قاصرو النظر ، الذين لا يشعرون بالمسؤولية ، ولا يحسنون فهم الأمور.

ونقول :

إن كلام مخشي بن عمرو لا يوحي بأنه كان في مقام الاستهزاء ، غير أن من الواضح : أن هذا الرجل ، كان يسعده أن يرى المسلمين وقد أبيدت خضراؤهم ، وقتلت رجالهم ، وسبيت نساؤهم ، ولعله صدق ما بلغه من ذلك ، ثم فوجئ بعكس ما كان يتوقعه وسمع به. فجاء ليعرف السر في ذلك ، وكأنه كان على قناعة بأن مشركي مكة قادرون على ذلك ، وأن المسلمين على درجة كبيرة من الضعف والوهن في قبال المشركين.

وربما يكون ما جرى في أحد ، الذي لم ينقل إليه ، والى سائر الناس ، في صورته الحقيقية قد عزز هذه القناعة لديه ، لأنه إنما وقف على نتائج حرب أحد ، ولم يعرف ملابساتها ، وأنها لم تكن نتيجة ضعف حقيقي في عزيمة المسلمين ، ولا لتخاذل منهم في ساحة الحرب والجهاد ، وبذل المهج ، وخوض اللجج في سبيل الله سبحانه ، كما أنه لم يكن لأجل قوة متميزة في

__________________

(1) سيرة المصطفى ص 455.

الصفحة 88 من 329