مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) - الجزء 9 - جعفر مرتضى العاملي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 163 من 341

يفكرون في شيء واحد ، وإنما هم يفكرون بأشياء متباينة ، ومتعددة ، بعددهم جميعا. فنفس كل فرد منهم تخضع لفكرين متناقضين فصاحبها يفكر في حفظها ، وبقائها ، وكل من معه يفكرون في إتلاف هذه النفس من أجل حفظ وجودهم هم دونه.

وهكذا الحال بالنسبة لنفس كل فرد منهم ، وإذا فكر أحد منهم بحفظ نفوس الآخرين ، فإنما ذلك حين يرى فيه ضمانة لبقائه ، وحفظ نفسه هو أولا.

وذلك يوضح لنا أيضا : السر في أن هؤلاء لا يقاتلون المؤمنين إلا من وراء جدر ، أو في قرى محصنة ، حسبما أوضحته الآية الشريفة.

وما ذلك إلا لأن هؤلاء لا يعقلون معنى الحياة وأسرارها ، ولا حكمة الخلق وأهداف الوجود. فإن ذلك إنما جاء وفق المعايير والأحكام العقلية والفطرية ، فهو لا يشذ عنها ، ولا يختلف ولا يتخلف عن أحكامها ومقتضياتها.

ولو أنهم فكروا وأطلقوا عقولهم من عقال الهوى ، لأدركوا ذلك كله ، ولتغيرت نظرتهم للكون وللحياة ، ولعرفوا بعضا من أسرار الخلق والوجود ، ولتبدلت المعايير والقيم التي كانت تستند إلى أوهام وخيالات ، وتؤكدها وتفرضها الفطرة الخالصة عن الشوائب ، والبعيدة عن تجاذب الأهواء.

إذا .. فعدم التزامهم بهدى العقل ، ورفضهم الانصياع لأحكامه ، هو أصل البلاء ، وسبب العناء ، وهو ما أكدته الآية الكريمة ، التي أرجعت حالتهم التي هي غاية خزيهم وذلهم إلى ذلك ، فهي تقول : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (1).

__________________

(1) الآية 14 من سورة الحشر.

الصفحة 163 من 341