مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) - الجزء 3 - جعفر مرتضى العاملي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 78 من 356

الفتى اليافع والناشئ كان يعتز بنفسه ، ويثق بها ، فيدعو أبا ذر ليكون ضيفه ثلاثة أيام ، ثم هو يساعده على الوصول إلى النبي «صلى الله عليه وآله» بشكل ذكي وحذر ، ثم هو يتركه ثلاثة أيام لا يسأله عن أمره حتى لا يشعر هذا الضيف بأن مضيفه ربما يكون قد ضاق به ذرعا ، أو ملّ وجوده ؛ وليكون قد أتاح له الفرصة ليستأنس في هذا البلد الذي يراه غريبا عليه ، ويألفه ، ويرتاح إليه نفسيا ، كما ارتاح جسديا ؛ وليكون أنفذ بصيرة ، وأكثر اطمينانا في بيان حاجته التي جاء من أجلها.

ثامنا : إن جهر أبي ذر بإسلامه ، وتعريضه نفسه للضرب والإهانة من قبل المشركين ، إنما يعكس لنا مدى اعتزاز أبي ذر بإسلامه هذا ، ومدى استعداده للتضحية في سبيله ، ثم هو يعكس مدى حنق قريش ورعونتها في مواجهة الدعوة إلى الله تعالى ، حتى إنها تنسى : أن من تبطش به ربما يكون في المستقبل سببا في عرقلة تجاراتها إلى الشام ، ومضايقتها اقتصاديا.

نعم ، تنسى ذلك ، وتهجم عليه لتضربه ، ثم ترتد عنه لا بدافع إنساني ، ولا عن قناعة فكرية ، وإنما لدوافع اقتصادية دنيوية ، تعكس أنانيتها ، ومستوى تفكيرها أولا وأخيرا ، ولا شيء أخطر على الإنسان من الأنانية التي ربما تضع على عينيه غشاوة ؛ فلا يبصر الحق الأبلج ، ولا يهتدي سواء السبيل.

تاسعا : لعل أبا ذر قد أراد كسر شوكة أعداء الإسلام ، وفتح ثغرة في هذا الجبروت ، ثم كسر حاجز الخوف لدى المسلمين ، ليتشجعوا على مواجهة الأخطار ، وضرب المثل الحي لهم في مجال التضحية من أجل الدين والحق ، كما أن ذلك لسوف يؤثر على من يميلون إلى هذا الدين ويتعاطفون

الصفحة 78 من 356