مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) - الجزء 2 - جعفر مرتضى العاملي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 48 من 329

ما يختاره له ربه ، وبصلاح ما يأمره به.

الثانية : يستجيب إبراهيم «عليه السلام» لهذا الأمر ، ولكنه لا يندفع إلى تنفيذه بسرعة ، لكي يريح أعصابه ، لأن هذا الأمر قد يخفي وراءه شيئا من الضعف والوهن ، بل هو يخبر ولده بالأمر ، ويطلب منه أن يتخذ هو نفسه أيضا القرار الحاسم في الاستسلام لذلك أو عدمه وذلك يدل على ثقته بحسن اختيار ولده ، رغم صغر سنه ، ويدل على أنه كان يحترم فيه كبر عقله ، وسداد رأيه ، ولا يعتبره طفلا لا يمكن أن توكل إليه أية مسؤولية.

وطبيعي أيضا : أن يكون التفات إسماعيل لذلك ، وأن يتخذ هو نفسه القرار منه بقوله : (يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(1). مما يزيد في آلام أبيه.

وإسماعيل .. الذي أراد أبوه أن ينيله أجر الطاعة ، ويتذوق حلاوة التسليم ، لم يكن منه إلا التسليم لأمر الله سبحانه ، والانصياع له بثقة ورضا ، ولكنه لا يعتبر هذا التسليم والرضا شجاعة وبطولة منه ، وإنما يعتبره خضوعا لمشيئة الله تعالى ويرى : أن صبره مستمد منه ، ومنته إليه ؛ ولذلك عبر الله تعالى عن حالتهما هذه بقوله : (فَلَمَّا أَسْلَما) ؛ فهما قد أسلما لله تعالى ، وليس لغيره من الشهوات ، ولا للغرائز ، ولم تقيدهما القيود المادية ، ولا الدنيوية في شيء (2).

ولذلك فإن إبراهيم وولده هما ممن يكون الله أحب إليه من كل شيء مما

__________________

(1) الآية 102 من سورة الصافات.

(2) لقد أشار في كتاب : في ظلال القرآن إلى بعض ما ذكرناه أيضا.

الصفحة 48 من 329