مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) - الجزء 2 - جعفر مرتضى العاملي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 104 من 329

يعتبرون أنفسهم ، ويعتبرهم العالم بأسره قمة فيه ، إكمالا للحجة ، وحتى لا يبقى مجال لأي خيار ؛ لأن خروجه «صلى الله عليه وآله» في بيئة كهذه ، بحجة كهذه ، لا بد أن يجعلهم يذعنون وينقادون للحق ، وإلا فلسوف يراهم كل أحد ، ويرون أنفسهم أيضا معاندين للحق ، ومناصرين للباطل.

نعم ، لقد بهرم هذا القرآن وحيّرهم ، ولم يترك لهم مجالا للخيار فإما الجحود على علم (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ)(1) ، وإما الإيمان والتسليم.

وإذا كنا نعلم : أن من مميزات العربي ، وبحكم حياته وطبيعته :

أنه كان يعيش حياة الحرية بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، ولم تلوث فكره وعقله الأفكار والشبهات والآراء المصطنعة كما كان الحال بالنسبة لسائر الأمم ، كالرومان والفرس وغيرهما ، الذين كانوا يحاولون فلسفة أديانهم البعيدة عن الفطرة ، والمنافرة لها ، وإظهارها بمظاهر معقولة ومقبولة .

إذا كنا نعلم ونرى ذلك ، فإن هذا القرآن قد جاء منسجما مع فطرة العربي ، ومتلائما مع طبعه وسجيته ، ومع صفاء نفسه وقريحته ، تماما كما كانت الدعوة نفسها منسجمة مع فطرته وروحه ، ويستجيب لها عقله ، وضميره ووجدانه ، لأنه كان يعيش على الفطرة ، والإسلام دين الفطرة : (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)(2).

ولذلك نراه سرعان ما صار يبذل ماله ، وولده ، ودمه في سبيل هذه

__________________

(1) الآية 14 من سورة النمل.

(2) الآية 30 من سورة الروم.

الصفحة 104 من 329