مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

بِحَارُ الْأَنْوَارِ - الْجُزْءُ 78 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

باقي الأجزاء ستضاف تباعًا إن شاء الله
تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 29 من 461

شيعتناهم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله ، أهل الفضائل ، الناطقون بالصواب مأكولهم القوت ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، بخعوا لله تعالى بطاعته (1) وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء ، رضوا عن الله تعالى بالقضاء ، فلولا الاجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين ، شوقا إلى لقاءالله والثواب ، وخوفا من أليم العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم وصغر مادونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون.

وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون ، صبروا أياما قليلة ، فأعقبتهم راحة طويلة ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم فأعجزوها ، أما الليل فصافون أقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا ، يعظون أنفسهم بأمثاله ، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة ، وتارة يفترشون جباههم وأنفسهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم ، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه في فكاك أعناقهم ، هذا ليلهم ، وأما نهارهم فحلماء علماء بررة أتقياء ، براهم خوف باريهم (2) فهم كالقداح تحسبهم مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك ، بل خامرهم من عظمة ربهم ، وشدة سلطانه ماطاشت له قلوبهم ، وذهلت منه عقولهم ، فإذا اشتاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزكية ، لا يرضون له بالقليل ، ولا يستكثرون له الجزيل فهم لانفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون.

يرى لاحدهم قوة في دين ، وحزما في لين (3) وإيمانا في يقين ، وحرصا على

____________________

(1) بخع نفسه بتقديم الباء على الخاء المعجمة المفتوحة : أنهكها وكاد يهلكها من غم أو غضب. وبخع بكسر الخاء بالحق : أقر وأذعن.

(2) أى نحتهم خوف ربهم ، فانما يخشى الله من عباده العلماء. والقداح جمع القدح بالكسر فيهما : السهم.

(3) الحزم في اللين أن يكون لبنه حزما وفى موضعه ، لا عن مهانة وذلة.

الصفحة 29 من 461