مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

بِحَارُ الْأَنْوَارِ - الْجُزْءُ 73 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

باقي الأجزاء ستضاف تباعًا إن شاء الله
تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 268 من 415

الشيطان اللعين ، فمن اسعرته نار الغضب ، فقد قويت فيه قرابة الشيطان ، حيث قال : «خلقتني من نار وخلقته من طين» (1) فمن شأن الطين السكون والوقار ، وشأن النار التلظي والاستعار ، والحركة والاضطراب والاصطهار ، ومنه قوله تعالى : «يصهر به ما في بطونهم والجلود» (2) ومن نتائج الغضب الحقد والحسد ، وبهما هلك من هلك ، وفسد من فسد.

ثم قال : اعلم أنالله تعالى لما خلق الانسان معرضا للفساد والموتان ، بأسباب في داخل بدنه ، واسباب خارجة منه ، أنعم عليه بما يحميه الفساد ، ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم ، سماه في كتابه.

أما السبب الداخل فانه ركبه من الرطوبة ، والحرارة ، وجعل بين الرطوبة والحرارة عداوة ومضادة ، فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة ، وتجففها وتبخرها حتى يتفشى أجزاؤها بخارا يتصاعد منها ، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان ، فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان ، وخلق للحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم ، ليكون حافظا له من الهلاك ، بهذه الاسباب.

وأما الاسباب الخارجة التي يتعرض لها الانسان فكالسيف والسنان ، وسائر المهلكات التي يقصد بها ، فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه ، فيدفع المهلكات عنه فخلق الله الغضب من النار ، وغرزه في الانسان ، وعجنه بطينته ، فمهما قصد في غرض من أغراضه ، ومقصود من مقاصده ، اشتعلت نار الغضب ، وثارت ثورانا يغلى به دم القلب ، وينتشر في العروق ، ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يغلى في القدر.

ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين ، والبشرة بصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم ، كما تحكي الزجاجة لون ما فيها ، وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه ، واستشعر القدرة عليه ، فان صدر الغضب على من هو فوقه

____________________

(1) الاعراف : 12 ص 76. (2) الحج : 20.

الصفحة 268 من 415