مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

بِحَارُ الْأَنْوَارِ - الْجُزْءُ 70 - مُحَمَّدُ بَاقِرُ الْمَجْلِسِيُّ

باقي الأجزاء ستضاف تباعًا إن شاء الله
تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 84 من 408

من كتاب » (1) « ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله » (2) انتهى.

وأقول : ينبغي أن يعلم أن ماتهواه النفس ليس كله مذموما ومالاتهواه النفس ليس كله ممدوحا ، بل المعيار مامر في باب ذم الدنيا (3) وهو أن كل مايرتكبه الانسان لمحض الشهوة النفسانية واللذة الجسمانية والمقاصد الفانية الدنيوية ، ولم يكن الله مقصودا له في ذلك ، فهو من الهوى المذموم ، ويتبع فيه النفس الامارة بالسوء ، وإن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيد المأكل والمطعم والملبس ، ويقاسي الجوع والصوم والسهر للاشتهار بالعبادة ، وجلب قلوب الجهال ، ومايرتكبه الانسان لاطاعة أمره سبحانه وتحصيل رضاه وإن كان مما تشتهيه نفسه وتهواه ، فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل ويشرب لامره تعالى بهما أو لتحصيل القوة على العبادة وكمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به ، أو لتحصيل الاولاد الصالحين ، أو لعدم ابتلائه بالحرام.

فهؤلاء وإن حصل لهم الالتذاذ بهذه الامور لكن ليس مقصودهم محض اللذة بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم ولم تكن تلك من التسويلات النفسانية ، والتخييلات الشيطانية ، ولو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الامور ، فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات والمكروهات ، ثم إلى المحرمات ، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.

فظهر أن كل ماتهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه ، فان كثيرا من العلماء قد يتلذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم ، وكثيرا من العباد يأنسون بالعبادات بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها ، وليس كل مالاتشتهيه النفس

____________________

(1) الشورى : 15.

(2) القصص : 50 ، راجع مفردات غريب القرآن 548.

(3) يعنى باب ذم الدنيا والزهد فيها من الكافي.

الصفحة 84 من 408