الانعام ما لا تنفده مطالب الانام ، لانه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين ، ولا يبخله إلحاح الملحين ، فانظر أيها السائل! فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضئ بنور هدايته ، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه ولا في سنة النبي وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه ، فإن ذلك منتهى حق الله عليك. واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فاقتصر على ذلك فلا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين ، هو القادر الذي إذا ارتمت الاوهام لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرأمن خطر الوساوس (1) أن يقع عليه من عميقات (2) غيوب ملكوته ، وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته ، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة إليه سبحانه [ وتعالى ] فرجعت إذجبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال اولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه من خالق معبود كان قبله ، وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته (3) ما دلنا باضطرار قيام الحجة على معرفته ، وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته ، فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة فأشهد (4) أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق
____________________
(1) سيأتى من المؤلف رحمه الله أنه روى ، من خطرات الوساوس.
(2) في بعض النسخ وكذا في المصدر : في عميقات.
(3) في المصدر : قدرته.
(4) في المصدر ، وأشهد. وهكذا فيما يأتى.




