مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

غاية المرام وحجّة الخصام - الجزء 7 - السيد هاشم البحراني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 14 من 357

أمير المؤمنين قال : فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته ، يتململ تململ السّليم ويبكى بكاء الحزين وهو يقول : «يا دنيا ، يا دنيا إليك عنّي ، أبي تعرضت أم إلى تشوقت ، لا حان حينك ، هيهات ، هيهات غرّي غيري ، لا حاجة لي فيك قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعيشك قصير وخطرك يسير وأملك حقير ، آه من قلّة الزاد وطول الطريق وبعد السفر وعظم المورد».

قال ابن أبي الحديد في الشرح وهو من أكابر علماء المعتزلة : السليم الملسوع ، وقوله : لا حان حينك : دعاء عليها أي لا حضر وقتك كما تقول : لا كنت فأمّا ضرار بن ضمرة فإن الرياشي روى خبره ونقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيل في التنزيل على نهج البلاغة قال : دخل ضرار على معاوية، وكان ضرار من أصحاب عليّ عليه‌السلام فقال له معاوية : يا ضرار صف لي عليّا ، قال أو تعفيني؟

قال : لا أعفيك ، قال ما أصف منه؟ كان والله شديد القوى بعيد المدى ، يتفجر العلم من أنحائه والحكمة من أرجائه ، حسن المعاشرة ، سهل المباشرة ، خشن المأكل ، قصير الملبس ، غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألنا ويبتدئنا إذا سكتنا ، ونحن مع تقريبه إلينا أشدّ ما يكون صاحب لصاحبه هيبة ، لا نبتدئه بالكلام لعظمته ، يحب المساكين ويقرّب أهل الدين ، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ... وتمام الكلام مذكور في الكتاب (1).

السابع : ابن أبي الحديد : وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب هذا الخبر وقال : حدّثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال : حدّثنا يحيى بن مالك بن عائد قال : حدّثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة البغدادي بمصر ، وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال : حدّثنا العكلي عن الحرمازي عن رجل من همدان قال : قال معاوية لضرار الضبابي ، يا ضرار صف لي عليّا ، وقال : أعفني يا أمير المؤمنين ، قال لتصفنّه.

قال : أمّا إذا لا بدّ من وصفه فقال : كان والله بعيد المدى شديد القوى ، يقول فضلا ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته ، غزير العبرة طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن ، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استفتيناه ، ونحن والله مع تقريبه إيّانا وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبة له، يعظّم أهل الدين ويقرّب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله

__________________

(1) شرح نهج البلاغة : 18 / 224.

الصفحة 14 من 357