كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ العَارِفِينَ عَنِ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الَّذِي يَرَاهُ البَصَرُ غَيْرُ مُدْرِكٍ لَهُ، وَقَدْ يَرَى بِكَمَالِهِ فَيَحْصُرُ البَصَرُ عَنْهُ المِزَاجَ الَّذِي فِي البَاطِنِ، فَكَمَا إِنَّهَا تَعْلَمُهُ القُلُوبُ وَلَا تُدْرِكُهُ، فَكَذَلِكَ تَرَاهُ الأَبْصَارُ وَلَا تُدْرِكُهُ، وَأَنَّ الَّذِي تَرَاهُ الأَبْصَارُ وَلَا تُدْرِكُهُ هُوَ هُوَ ظَاهِرٌ بِكُلِّيَّةِ كَمَالِهِ، لَيْسَ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَظْهَرَ البَعْضَ وَأَخْفَى البَعْضَ، بَلْ إِنَّهُ جُزْءٌ أَصَمُّ ظَاهِرٌ مَوْجُودٌ بَاطِنٌ غَيْرُ مَفْقُودٍ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ التَّكَنُّفُ وَلَا يَلِيقُ بِهِ التَّحَجُّبُ وَلَا يَلْتَحِظُ بِعَيْنِ الإِدْرَاكِ فِي وُجُودِهِ، وَلَا تَبْلُغُ أَلْسُنُ الوَاصِفِينَ طَرْفَاً مِنْ أَوْصَافِ حُدُودِهِ وَلَكِنَّهُ مِنْ عَدْلِهِ وَإِنْصَافِهِ وَرَأْفَتِهِ وَأَلْطَافِهِ أَمْكَنَ الأَبْصَارَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ بِحَسَبِ مَا اسْتَطَاعَتْ، وَصَوَّرَ فِي العُقُولِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِقَدْرِ مَا طَاقَتْ، ثُمَّ أَوْرَانَا ذَاتَهُ بِصُورَةٍ لِنَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى وُجُودِهِ لُطْفاً وَإِشْفَاقاً عَلَى عَبِيدِهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَجِبُ أَنْ نُثْبِتَ عَلَيْهِ التَّصْوِيرَ، لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي قَيْدِ التَّصْوِيرِ وَالتَّعْدِيدِ لَزِمَهُ الإِدْرَاكُ وَالتَّحْدِيدُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ أَنَّهُ جُزْءٌ أَصَمُّ: لَيْسَ بِمَعْنَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ شَيْءٍ، بَلْ هُوَ نَوْعٌ وَاحِدٌ كُلِّيٌّ لَا جُزْئِيٌّ، أَحَدِيٌّ لَا ثَنَوِيٌّ، وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- وَقَوْلُهُ: هَذَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، هَذَا خَالِقُكُمْ فَوَحِّدُوهُ.




