لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ يُذْكَرُ، وَمَا حَصَلْنَا فِي هَذَا القَوْلِ إِلَّا عَلَى صِفَاتِ ظَاهِرٍ بَعْضُهَا بَاطِنٌ لِبَعْضٍ، وَالنِّهَايَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَعْدُومٍ، وَهَذَا بَيِّنٌ جِدّاً لِمَنْ تَأَمَّلَهُ بِعَيْنِ العَقْلِ وَأَطْلَقَ نَفْسَهُ مِنْ وَثَاقِ الجَهْلِ، لِأَنَّ الَّذِي رَأَيْنَاهُ هُوَ ذَاتٌ كُلُّهُ لَيْسَ هُوَ ظَاهِرٌ بِشَيْءٍ سِوَاهُ، وَلَا لَهُ بَاطِنٌ غَيْرُ مَا شَاهَدْنَاهُ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَالأَوَّلُ وَالآخِرُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لِأَنَّ الَّذِي ظَاهِرُهُ غَيْرُ بَاطِنِهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَاللَّهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ أَحَدِيُّ الذَّاتِ كُلِّيُّ الصِّفَاتِ، ظَاهِرٌ كُلُّهُ، بَاطِنٌ كُلُّهُ، سَمِيعٌ كُلُّهُ، بَصِيرٌ كُلُّهُ، لَيْسَ وَرَاءَ الظَّاهِرِ المَوْجُودِ غَايَةٌ تُعْرَفُ، وَلَا بَعْدَ الحَاضِرِ المَشْهُودِ نِهَايَةٌ تُوصَفُ، لَكِنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالإِحَاطَةِ بِعَيْنِ مَنْ رَآهُ، وَلَا يُوصَفُ بِكُلِّيَّةِ الكَمَالِ عَلَى لِسَانِ مَنْ وَصَفَهُ.
وَهَذَا القَوْلُ تَنْزِيهاً لِلْبَارِي تَعَالَى، وَتَثْبِيتاً لِعَجْزِ المَخْلُوقِينَ عَنْ إِدْرَاكِ صِفَاتِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِنَا أَنَّ الصُّورَةَ المَرْئِيَّةَ هِيَ الذَّاتُ الأَحَدِيَّةُ تَثْبِتَاً لِلتَّصْوِيرِ عَلَى الذَّاتِ القُدْسِيَّةِ، وَأَنَّنَا نَحْصُرُهَا فِي صُورَةٍ وَاقِعَةٍ تَحْتَ حِسِّ الأَبْصَارِ، تَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الجَبَّارُ، بَلْ إِنَّمَا قَوْلُنَا وَاعْتِقَادُنَا أَنَّ الظَّاهِرَ المَشْهُودَ الَّذِي أَوْرَانَا التَّصْوِيرَ فِي الوُجُودِ هُوَ الذَّاتُ العَلِيَّةُ وَالغَايَةُ الكُلِّيَّةُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ بِكُلِّيَّةِ كَمَالِهِ، فَلَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ وَلَا يَسْتُرُهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الأَبْصَارُ عَوَاجِزٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ بِعَيْنِ الكَمَالِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالكَمَالِ.




