وَلَا أَظْهَرَ شَيْئَاً فِي الحَقِيقَةِ ثُمَّ أَعْدَمَهُ فِي الحَقِيقَةِ إِلَّا أَنْ يَكُنْ ذَلِكَ الفِعْلُ تَخَيُّلاً لَا حَقِيقَةَ لَهُ، لِأَنَّ الَّذِي ظَهَرَ بِالنُّورَانِيَّةِ وَالبَشَرِيَّةِ هُوَ وَاحِدٌ بِذَاتِهِ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَظْهَرُ بِغَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَإِحْسَانِهِ وَرِفْقِهِ أَمْكَنَهُمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، فَرَأَوْهُ بِلُطْفِ ذَوَاتِهِمْ، وَنَظَرُوهُ مِنْ حَيْثِهِمْ لَا مِنْ حَيْثِ هُوَ، وَذَلِكَ لِعِلْمِهِ فِيهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَأَمْكَنَهُمْ مِنَ النَّظَرِ بِقَدْرِ مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ، وَكُلٌّ يَرَاهُ بِقَدْرِ مَنْزِلَتِهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ رُتْبَتِهِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ.
كَمَا قِيلَ: إِذَا كَانَتِ المَعْرِفَةُ بِهِ تَتَفَاضَلُ فَالرُّؤْيَةُ لَهُ تَتَفَاضَلُ، وَمَنْ جَعَلَ الصُّورَةَ المَرْئِيَّةَ بَاطِنَ المِيمِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً، وَأَثْبَتَ النَّظَرَ عَلَى بَاطِنِ المِيمِ وَظَاهِرِهِ، وَحَصَّلَ الوُجُودَ لَهُ دُونَ مَعْنَاهُ، وَنَفَى وُجُودَ المَعْبُودِ مُطْلَقاً سَمَاءً وَأَرْضاً، وَكَذَّبَ الإِجْمَاعَ وَالأَسَانِيدَ وَالأَخْبَارَ المُتَوَاتِرَةَ عَنْ رِجَالِ التَّوْحِيدِ لِكَوْنِهِمْ مُجْمَعُونَ عَلَى أَنَّ المِيمَ كَيْفِيَّتُهُ مِنْ نَوْعَيْنِ: قَدِيمٌ وَمُحْدَثٌ.
كَمَا تَقَدَّمَ القَوْلُ بِأَنَّ قَدِيمَهُ لَا يُفَارِقُ الذَّاتَ وَلَا يُرَى وَلَا يُوجَدُ إِلَّا مِنَ الصُّورَةِ الَّتِي هِيَ النَّوعُ المُحْدَثُ الَّذِي كَوَّنَهُ القَدِيمَ عَنْ نُورِ نُورِهِ وَجَعَلَهَا مَكَاناً لِتَرَائِيهِ فِي وُجُودِهِ وَظُهُورِهِ، وَذَلِكَ النَّوعُ المُحْدَثُ هُوَ نُوراً شَعْشَعَانِيّاً




