في الأكْوَارِو الأَدْوَارِ وَصِفَةُ القِدَمِ مَوْقِعُهَا السَّرْمَدِيَّةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَكْيَّفَةٍ وَلَا مَحْدُودَةٍ وَلَا مَدْرُوكَةٍ وَلَا مَحْسُوسَةٍ، وَإِنَّمَا اِفْتَرَضَ عَلَى الخَلْقِ أَنْ يَعْرِفُوا مَوَاقِعَ صِفَاتِ الحَدَثِ لَا صِفَاتِ القِدَمِ، لِأَنْ لَيْسَ فِي اِسْتِطَاعَتِهِمْ إِدْرَاكُ صِفَةِ القِدَمِ وَالشَّاهِدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾(1) فَأَثْبَتَ الرُّؤْيَةَ وَمَنَعَ الإِدْرَاكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي إِثْبَاتِ وُجُودِ الذَّاتِ الأَحَدِيَّةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(2)، فَالشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: هِيَ الذَّاتُ المُقَدَّسَةُ السَّنِيَّةُ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ: فِي القِدَمِ وَالدَّيْمُومَةِ، وَفَرْعُهَا بَاسِقٌ: فِي السَّمَاءِ فِي الكَوْنِ النُّورِيِّ، تُؤْتِي أُكُلَهَا: مُقْمِرٌّ فِي كُلِّ حِينٍ، بِنُضَّاخَةِ النُّورِ: أَيْ بِزِيَادَتِهِ.
فَالمُتَجَلِّي بِالصِّفَةِ النُّورِيَّةِ هُوَ المُتَجَلِّي بِالصِّفَةِ الظِّلِّيَّةِ، فَمِنْ عَدْلِهِ فِي بَرِيَّتِهِ وَإِنْصَافِهِ فِي رَعِيَّتِهِ كَمَا إِنَّهُ تَجَلَّى لِعَالَمِ العَقْلِ المُجَرَّدِ عَنِ التَّرَاكِيبِ عَلَى صِفَاتِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ اِقْتَضَى فِي حِكْمَتِهِ تَجَلِّيهِ لِعَالَمِ البَشَرِ حَسَبَ اِسْتِطَاعَتِهِمْ عَلَى هَيْئَاتِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُ دَاوُدَ النَّبِيِّ -عَزَّ عَزُّهُ- لِلْجِبَالِ: تَصَفَّفْنَ




