الإِمْكَانِ، وَعَرَفُوا حِجَابَهُ وَبَابَهُ وَأَهْلَ مَرَاتِبِ قُدْسِهِ، وَجَرَّدُوا اللهَ عَنْ سَائِرِ المَصْنُوعَاتِ وَعَرَفُوهُ فِي كُلِّ المَوَاطِنِ وَمَعَ أَهْلِ النُّورِ فِي السَّمَوَاتِ وَالظُّهُورِ بِالمَرَاتِبِ البَشَرِيَّاتِ فَقَالُوا: ﴿ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾(1)، فَمَعْرِفَةُ هَؤُلَاءِ بِالمُشَاهَدَةِ مِنْهُمْ فَلَمَّا حَقَّقُوا مَاشَهِدُوا بِهِ فِي المَرَاتِبِ الثَّلَاثِ كُتِبَتْ شَهَادَتُهُمْ فَشَهِدُوا عَلَى الحَقِيقَةِ لَاعَلَى المَجَازِ، فَقَالُوا: هِيَ هُوَ إِثْبَاتاً وَإِيجَاداً وَعِيَاناً وَحَقّاً وَيَقِيناً، لَمْ يَحْتَمِلْ هَذَا اللَّفْظُ التَّسَامُحَ بِالقَوْلِ وَالمَجَازِ، لِأَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى تَحْقِيقِ مَعْرِفَةِ الإِلَهِ تَعَالَى هُوَ أَوَّلُ دَرَجَاتِ الفَوْزِ وَالنَّجَاةِ وَالسَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ.
وَقَدْ كَانَ أَبُو الخَطَّابِ -مِنْهُ السَّلَامُ- يَقُولُ فِي تَلْبِيَتِهِ: يَا مُظْهِرَ جَوَاهِرِ الأَنْوَارِ البَسِيطَةِ المُسْتَضِيئَةِ بِضِيَاءِ نُورِكَ الشَّعْشَعَانِيِّ الَّتِي أُكْمِلَتْ فِي الحَدَثِ ظُهُورُهَا فَاسْتَضَاءَ جَمِيعُ خَلْقِكَ بِنُورِهَا وَنَجَى المُتَأَدِّبُ بِآدَابِهَا التَّابِعُ لِأَسْبَابِهَا، وَهَلَكَ الجَاحِدُ لَهَا بِاجْتِرَائِهِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا قَوْلُ هَذَا الهَائِمُ أَيْضاً: فَتَبّاً لِمَنْ يَقُولُ أَنَّهُ يَرَاهُ وَيُدْرِكُهُ فِي البَشَرِيَّةِ أَوْ فِي النُّورَانِيَّةِ، فَإِنَّهُ إِذَا ظَهَرَ قُلْنَا ظُهُورٌ، وَإِذَا غَابَ قُلْنَا غَيْبَةٌ وَالغَيْبَةُ فِينَا لَافِيهِ وَلَيْسَ هُوَ بِغَائِبٍ.




