شَفَّافَةً مُضِيئَةً، فَلَا بُدَّ مِنْ هَيْئَةٍ تُجَانِسْهُمْ وَتُشَاكِلُهُمْ كَهَيْئَةِ صُوَرِهِمْ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ، فَلَقَدْ دَارَتْ عَلَى هَذَا الحَائِرِ الدَّوَائِرُ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَقَرَّ أَنَّ الحِجَابَ يَرَاهُ بِمَا لَايَرَاهُ البَابُ، وَالبَابُ يَرَاهُ بِمَا لَايَرَاهُ اليَتِيمُ، وَاليَتِيمُ يَرَاهُ بِمَا لَايَرَاهُ مَنْ دُونَهُ، وَلَوْلَا لُطْفُهُ وَجَزِيلُ عَطْفِهِ يَتَرَاءَى لِعِبَادِهِ لِكُلِّ جِنْسٍ كَجِنْسِهِ عَجَزَتْ جَمِيعُ عِبَادِهِ أَنْ يُدْرِكُوا شَيْئاً مِنْ مَعْرِفتِهِ فَجَلَّ مَنْ لَاتُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَلَا تُحِيطُ بِهِ الأَفْكَارُ، وَلَا يَعْلَمُ مَاهُوَ إِلَّا هُوَ الظَّاهِرُ لِكُلِّ جِنْسٍ كَجِنْسِهِ، المُورِي كُلِّ مَوْصُوفٍ كَصِفَتِهِ، الدَّاعِي مِنْ نَفْسِهِ إِلَى نَفْسِهِ، المُخَاطِبُ كُلِّ ذِي لُغَةٍ بِلُغَتِهِ، فَسُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ فَتَبّاً لِمَنْ يَقُولُ إِنَّهُ يَرَاهُ وَيُدْرِكُهُ فِي البَشَرِيَّةِ أَوْ فِي النُّورَانِيَّةِ، فَإِنَّهُ إِذَا ظَهَرَ قُلْنَا ظُهُورٌ، وَإِذَا غَابَ قُلْنَا غَيْبَةٌ، وَالغَيْبَةُ فِينَا لَافِيهِ، وَلَيْسَ هُوَ بِغَائِبٍ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الخَصِيبِيُّ:
وَلَوْ مَضَى سَاعَةً لَسَاخَتْ | بِأَهْلِهَا الأَرْضُ فِي رُفَاتِ |
فَأَقُولُ: لَوْ أَنَّ هَذَا الحَائِرَ الجَهُولَ تَبَصَّرَ فِي نَفْسِ هَذَا القَوْلِ الَّذِي يَرْوِيهِ وَالكَلَامِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ وَيُبْدِيْهِ تَسَلَّقَ مِنْهُ عَلَى مَوْضِعِ الإِشَارَةِ وَالغَرَضِ المَقْصُودِ، وَلَكِنَّهُ تَأَوَّلَهُ فَاسِداً، وَخَرَجَ فِيهِ إِلَى حَيْثُ ذَهَبَ بِهِ ظَنُّهُ، فَزَعَمَ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الإِسْمَ وَالبَابَ وَاليَتِيمَ وَجَمِيعَ العَوَالِمِ العَلَوِيَّةِ كُلّاً يَرَاهُ عَلَى مِقْدَارِهِ




