قُلْنَا لَهُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾(1) أَقْرَرْنَا، فَكَانَ هُوَ المُتَجَلِّي لَهُمْ وَالمُتَكَلِّمُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَرَاهُ أَهْلُ خَاصَّتِهِ فِي الأَكْوَانِ السِّتَّةِ فِي الكَوْنِ النُّورَانِيِّ وَالكَوْنِ الجَوْهَرِيِّ وَالكَوْنِ الهَوَائِيِّ وَالكَوْنِ المَائِيِّ وَالكَوْنِ النَّارِيِّ وَالكَوْنِ التُّرَابِيِّ، وَهُوَ مُتَجَلِّي لَهُمْ، يَرَاهُ كُلُّ شَخْصٍ مِنْهُمْ بِمِقْدَارِ مَااسْتَحَقَّ مِنْ رُؤْيَتِهِ إِلَى أَنْ ظَهَرَ لَهُمْ فِي البَشَرِيَّةِ النَّاسُوتِيَّةِ، فَهَذَا مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى الوُجُودِ النُّورِيِّ المُشْرِقِ لِكَوْنِ الأَنْوَارِ السَّمَاوِيَّةِ وَالمَرَاتِبِ العَلَوِيَّةِ، وَأَنَّهُ مُتَجَلِّي يَرَاهُ كُلُّ شَخْصٍ بِمِقْدَارِ مَاقُسِمَ لَهُ مِنَ الحَظِ فِي الرُّؤْيَةِ، وَذَلِكَ كَائِنٌ مِنْ قَبْلِ نَشْأَةِ آدَمَ التُّرَابِيِّ وَوُجُودِهِ بِالمِثَالِ المَضْرُوبِ مِنَ الحَمَأ المَسْنُونِ الَّذِي اِمْتَحَنَ العَالَمَيْنِ النُّورِيَّ وَالبَشَرِيَّ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَبَاقِياً يَرَاهُ عَالَمُ النُّورِ وَعَالَمُ البَشَرِ إِلَى الآنَ، وَلَمْ يَزَلْ بَاقِياً مَعَ دَوَامِ المَلِكِ وَالأَبَدِ لِلْمُشَاهَدَةِ وَالعِيَانِ.
وَأَمَّا عَالَمُ البَشَرِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ وَالمَعْرِفةِ وَالإِقْرَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ بِعَيْنِ الجَهَالَةِ وَالإِنْكَارِ، فَأَمَّا الَّذِينَ رَأَوْهُ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ: فَهُمْ نُخْبَةُ العَالَمِ وَزُبْدَةُ اِمْتِخَاضِ الكَوْنِ البَشَرِيِّ وَالعَالَمِ الأَرْضِيِّ الَّذِينَ مِنْ أَجْلِهِمْ ظَهَرَ اللهُ بِمَا بِهِ ظَهَرَ، وَأَظْهَرَ أَنْوَارَهُ لِلْبَشَرِ كَالبَشَرِ لِيَزْدَادُوا بِظُهُورِهِ لَهُمْ مَعْرِفةً وَإِيمَاناً




