وَالثَّالِثُ: هُمُ الَّذِينَ يَسْنُدُ إِيمَانُهُمْ إِلَى شُهُودٍ وَعِيَانٍ، وَهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ فَسَمَّاهُمْ رَاسِخُونَ بِتَسْلِيمِهِمْ.
وَهَذَا طَرِيقُ أَهْلِ المَعْرِفةِ بِالله وَفِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الإِيمَانِ وَمُعَامَلَةِ المُؤْمِنِينَ أَقَاصِيصَ وَأَخْبَارٌ وَرِوَايَاتٌ وَأَشْعَارٌ تَعْظُمُ عَنِ الحَصْرِ، وَيَعِي بِهَا الفِكْرُ، وَلَوْ ذَكَرْنَا البَعْضَ مِنْهَا لَكَانَ بِذَاتِهِ كِتَاباً مُفْرَداً وَخَرَجْنَا بِهِ عَنِ الغَرَضِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ وَأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
وَقَالَ أَيْضاً هَذَا الحَجَّامُ بَعْدَ إِثْبَاتِهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَمْ كَافِرٌ فَقَالَ: وَهَلْ يَعْلَمُ مَايَصِيرُ إِلَيْهِ فِي غَدِهِ أَوْ فِي شَهْرِهِ أَوْ فِي عَامِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَمَتَى يَكُونُ مَوْتُهُ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ العَبْدُ عَاجِزاً عَنْ هَذَا كُلِّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولُ إِنِّي أَرَى رَبَّ الأَرْبَابِ وَجَبَّارَ الجَبَابِرَةِ، فَتَبّاً لَهُمْ مَا أَقَلَّ عُقُولَهُمْ وَمَا أَعْمَى قُلُوبَهُمْ، وَمَا أَشَدَّ كُفْرَهُمْ بِخَالِقِهِمْ.
فَأَقُولُ: أَمَا عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ الَّتِي جَعَلَهَا مَثَلاً لِوُجُودِ البَارِي تَعَالَى بِزَعْمِهِ أَنَّنَا لَانَرَى المَعْبُودَ، غَيْرَ إِنْ كَانَ نَعْلَمُ مَايَصِيرُ عَلَيْنَا فِي غَدِنَا وَمَتَى يَكُونُ مَوْتُنَا فَالبَارِي تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْنَا بِعِلْمِ ذَلِكَ وَلَا فَرَضَ عَلَيْنَا عِلْمَ تَحْدِيدِ آجَالِنَا وَقَدْ نَسَبَ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَطْ كَوْنِهِ مِنَ الأَشْيَاءِ الخَمْسَةِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا دُونَ خَلْقِهِ وَاسْتَتَرَ بِهَا دُونَ بَرِيَّتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ




