وَهَذَا دَأْبُهُ طُولَ دَهْرِهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي مَعْرِفَةِ مَوْلَاهُ، وَهُوَ مَارَآهُ وَلَا شَاهَدَهُ سَاعَةً قَطُّ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ وَالإِقْرَارِ بَلْ بِعَيْنِ الجُحُودِ وَالإِنْكَارِ، فَهَذَا عَيْنُ الضُّرِّ لِنَفْسِهِ لَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَ إِنْسَانٍ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ.
فَأَقُولُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ هَذَا حَقِيقاً لَسَقَطَ التَّفَاضُلُ بَيْنَ العَارِفِينَ وَالمُنْكِرِينَ، وَبَطَلَتْ مَنَازِلُ المُؤْمِنِينَ، وَكَانَ المُؤْمِنُ وَالكَافِرُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ وَمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ هَذَا المَقَالِ الغَرِيبِ وَالاِعْتِقَادِ المُرِيبِ الَّذِي لَايَثْبُتُ بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَرْتِيبٌ، وَإِذَا كَانَ لَايَعْرِفُ المُؤْمِنَ مِنَ الكَافِرِ، وَلَا البَرَّ مِنَ الفَاجِرِ، فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَكُونُ مُعَامَلَةُ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضاً، وَهَلْ يَجُوزُ فِي حُكْمِ العَدْلِ أَنْ البَارِي تَعَالَى يُطَالِبُ العَبْدَ المُؤْمِنَ بِقَضَاءِ حُقُوقِ إِخْوَانِهِ المُؤْمِنِينَ وَهُوَ لَمْ يَعْرِفْهُمْ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(1)، فَإِذَا كَانَ العَالِمُ لَايَعْرِفُ نَفْسَهُ وَلَا تَرْكِيبَ صُورَتِهِ وَلَا يَعْرِفُ أَهْلَ الإِيمَانِ الَّذِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ فَيُوَالِيهِمْ، وَلَا أَهْلَ الإِنْكَارِ الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ اللهِ فَيُعَادِيهِمْ، وَلَا يَعْرِفُ اللهَ فِي وُجُودِهِ، وَلَا يُقِرُّ بِرُؤْيَتِهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ عَلِمَ وَفِي حَقِيقَةِ نَفْسِهِ لَايَعْلَمُ




