بَيْنَهُمَا تَفَاضُلٌ غَيْرَ بِالإِجَابَةِ وَالسِّبَاقِ، وَكَذَلِكَ الأَرْوَاحُ الشَّيْطَانِيَّةُ جَمِيعُهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ وَعُنْصُرُهَا وَاحِدٌ مَبْدَأُهَا الخِلَافُ وَأَصْلُهَا الظُّلْمَةُ وَعُنْصُرُهَا الكُدُورَةُ فَلَمْ تَسْتَقِمْ عَلَى الإِقْرَارِ وَلَا تَرْتَقِي مِنَ الأَكْدَارِ، وَفِي الصِّفَةِ البَشَرِيَّةِ هُمُ وَالمُؤْمِنُونَ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ، وَلَكِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي اِتِّبَاعِ سُبُلِ الهِدَايَةِ لِقَوْلِ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ المُؤْمِنِينَ آدَمِيُّو الهَيَاكِلِ نُورَانِيُّو الأَرْوَاحِ، وَالكَافِرُونَ آدَمِيُّو الهَيَاكِلِ شَيْطَانِيُّو الأَرْوَاحِ.
فَأَيُّ بَيَانٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا فِي مَعْرِفَةِ الأَرْوَاحِ وَتَرْكِيبِ الصُّورَةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ أَشْخَاصِ الأَعْضَاءِ وَالعُرُوقِ وَزِيَادَةِ الدَّمِ وَنُقْصَانِهِ وَمَبْدَأِ الأَرْوَاحِ وَمُنْتَهَاهَا وَمُسْتَقَرِّهَا وَمُسْتَوْدَعِهَا، لَا كَمَا قَرَّرَ هَذَا الهَائِمُ الحَجَّامُ: أَنَّ الصُّورَةَ الإِنْسَانِيَّةَ الَّتِي هُوَ حَامِلُهَا، فَإِذَا تَفَقَّهَ وَكَانَ بِهَا أَفْقَهَ أَهْلِ زَمَانِهِ فَهَلْ يُدْرِكُ كَمْ بِهَا عُضْواً أَوْ عِرْقاً أَوْ مَا حَوَتْ عَلَيْهِ دَماً، وَكَمْ هِيَ وَزْناً، وَمِنْ أَيْنِ أَصْلُهَا وَإِلَى أَيْنِ مُسْتَقَرُّهَا، وَهَلْ يَعْلَمُ مَا يَضُرُّهَا وَمَا يَنْفَعُهَا، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي فَبِأَيِّ شَيْءٍ اِسْتَحَقَّ اِسْمَ الإِنْسَانِيَّةِ إِذْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْرِفَةَ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا يَضُرُّهَا وَيَنْفَعُهَا وَهَذِهِ صِفَةُ البَهَائِمِ الَّذِينَ لَايَعْلَمُونَ النَّفْعَ مِنَ الضَّرِّ وَالخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، وَمَا أَرَى قَائِلَ هَذَا القَوْلِ إِلَّا كَالحِمَارِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ لِلرَّحَى وَالدَّوَالِيبِ وَالمَدَارِ، فَهُوَ طُولَ نَهَارِهِ يَجْتَهِدُ فِي السَّيْرِ وَالنَّشَاطِ بِزَعْمِهِ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مَسِيرِهِ مَفَازَاتٍ بَعِيدَةً وَفَيَافِي كَثِيرَةً، فَإِذَا حَلَّ وِثَاقُهُ وَجَدَ نَفْسَهُ مَابَرِحَ مِنْ مَكَانِهِ وَلَا انْتَقَلَ مِنْ مَقَامِهِ




