ذَكَرَ هَذَا المُقَدَّسُ المَرْحُومُ الشَّيْخُ مَحْمُودٌ فِي رِسَالَتِهِ مُفْصِحاً وَمَرَّ بِهِ مَوْضِحاً إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّ الْتَبَسَ مَاذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الفَصْلِ عَلَى أَحَدٍ وَظَنَّ بِرَأْيِهِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَرْبَعَةَ أَرْوَاحٍ مِنَ السَّيِّدِ الأَكْبَرِ وَأَتْبَاعِهِ، وَأَرْبَعَةٌ أُخْرَى مِنْ شَنْبويه وَأَتْبَاعِهِ، فَيَكُونُ إِذَا لِلْإِنْسَانِ ثَمَانِيَةُ أَرْوَاحٍ، فَنَقُولُ لَهُ: لَيْسَ الأَمْرُ حَيْثُ ذَهَبْتَ، وَأَنَّهُ لَايَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِي الإِنْسَانِ إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ سَمَّاهَا بَعْضُهُمْ رُوحاً، وَلَا خِلَافَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الإِنْسَانِ ثَمَانِيَةُ أَرْوَاحٍ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ تَعْرِفْ أَيُّهُمَا المُثَابَةُ، وَلَا أَيُّهُمَا المُعَاقَبَةُ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الأَرْوَاحَ المَذْكُورَةَ فِي الإِنْسَانِ هِيَ عِلَّةُ المِزَاجِ وَآلَةٌ لِقِيَامِ الجِسْمِ، وَإِنَّمَا الرُّوحُ المُثَابَةُ هِيَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَلِيقُ بِهَا الاِخْتِلَافُ وَالكَثْرَةُ.
وَشَاهِدُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ التَّنْبِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ لَيْسَ فِي الوُجُودِ إِلَهَانِ وَلَا فِي السَّمَاءِ شَمْسَانِ فَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي الإِنْسَانِ نَفْسَانِ، وَإِنَّمَا لَمْ نَذْكُرْ مَاعَدَاهَا مِنَ النَّامِيَةِ وَالمَعْدِنِيَّةِ وَالهَاضِمَةِ وَالحَيَوَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُمَا جُنُودٌ وَفُرُوعٌ وَقُوًى لِهَذِهِ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ الوَحْدَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ الأَصْلُ، وَهِيَ الَّتِي اِسْتَخْلَفَهَا العَقْلُ عَلَى سِيَاسَةِ البَدَنِ، وَفِيهَا يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾(1)، فَالأَمْرُ هُوَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ الأَكْبَرُ وَهُوَ الأَصْلُ وَجَمِيعُ الأَرْوَاحِ المَوْسُومَةِ بِالإِيمَانِ أَصْلُهَا وَاحِدٌ وَمَعْدِنُهَا وَاحِدٌ، لَيْسَ




