تَقَحَّمَتْ بِهِ المَهَالِكَ وَأَوْرَدَتْهُ فِي المَتَالِفِ، فَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ عَرَفَ رَبَّهُ الَّذِي لَايَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، وَأَيْضاً أَنَّهُ يَعْرِفُ مَايَمُوتُ وَيَفْنَى وَهُوَ الجَسَدُ وَمَا يَبْقَى وَلَا يَمُوتُ وَهِيَ الرُّوحُ، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَعُودُ إِلَى مَا مِنْهُ بَدَا، فَأَمَّا مَاكَانَ مِنَ التُّرَابِ عَادَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَاكَانَ مِنَ النُّورِ فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَاكَانَ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ۗ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾(1)، فَبِمَعْرِفَتِهِ لِنَفْسِهِ وَمَا بَدَتْ، وَمَعْرِفَتِهِ جَسَدِهِ وَمِمَّا رُكِّبَ، وَمَعْرِفَةِ الجَامِعِ بَيْنَهُمَا يَهْتَدي لعِبَادَةِ رَبِّهِ الصَّانِعِ المَوْجُودِ.
الوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّهُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعُبُودِيَّةِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَعْدَلُ شَاهِدٍ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى لِقُرْبِهَا مِنْهُ، وَأَصْدَقُ رَائِداً يُخْبِرُعَنْهُ لِبُعْدِهَا عَنِ التُّهْمَةِ، فَإِذَا بَرَئْتَ مِنْ حَوْلِهَا وَقُوَّتِهَا وَتَحَقَّقْتَ عَجْزَهَا عَنِ اِخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا وَاجْتِنَابِهَا مَايَضُرُّهَا عَلِمْتَ أَنَّ لَهَا صَانِعاً يُدَبِّرُهَا وَحَكِيماً يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِمَشِيئَتِهِ لَارَيْبَ فِي وُجُودِهِ وَلَا شَكَّ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، فَوَصَلْتَ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهَا بِالتَّحْقِيقِ وَدَانَتْ لَهُ بِحُكْمِ التَّصْدِيقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ




