بَعْدَ أَنْ خَلَعْتُ سِرْبَالَ الظَّنِّ وَالحَيْرَةِ، فَوَجَدْتُهُ دَالَّاً عَلَى نِهَايَةِ الإِنْسِلَاخِ مِنْ كُلِّيَّةِ الحَقَائِقِ وَمُنْدَرِجاً عَلَى جَادَّةِ كُلِّ مُكَتَرثٍ وَمَارِقٍ مَبْنِيّاً عَلَى قَوَاعِدِ السَّفَهِ وَالبُهْتَانِ وَالأَضْغَانِ، وَقَدْ سَمَّاهُ (مُخْتَصَراً) وَاشْحَنَهُ فُحْشَاً وَمُنْكَراً مُسْتَطِيلاً بِمُرَاجَعَةِ الكَلَامِ، لَيْسَ لَهُ تَرْتِيبٌ وَلَا انْتِظَامٌ، لَا إِلَى رُكْنِ رُشْدٍ يَسْتَنِدُ وَيَلْجَأُ وَلَا إِلَى حَلِّ عَقْدٍ يَعْتَمِدُ وَيُرْجَى، بَلْ مَضْمُونُهُ التَّنْكِيتُ عَلَى كُلِّ مُؤَلِّفٍ وَالتَّشْمِيتُ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ، مُسْتَهْجِمٌ فِيهِ بِالأفْعَالِ ومُتبرعٌ فيه بالأَقوالِ، شَائِرٌ فِيهِ إِلَى الغَيْبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ، وَحَائِرٌ بِمَا بِهِ تَكَلَّفَ، فَهُوَ كَمَا قِيلَ فِيهِ: كُلُّ كُفْوٍ لَاهَائمٌ أَوْ هَجَّامٌ.
فَالهَائِمُ: هُوَ الحَائِرُ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَعْتَقِدُهُ وَلَا يَرَى شَيْئاً يَعْتَمِدُهُ فَهُوَ كَالمَرِضِ الدَّائِمِ المَرَضِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِمَرَضِهِ لِيَصِفَهُ لِطَبِيبٍ يَرَى لَهُ البُرْءَ.
وَالهَجَّامُ: هُوَ الَّذِي يَهْجُمُ عَلَى عُلُومِ الحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَيُنَاظِرُ أَهْلَ الحَقِيقَةِ عَلَى ذَلِكَ لِيُدْخِلَ الأَوْهَامَ عَلَى عُقُولِ المُسْتَضْعَفِينَ، وَيَنْتَحِلُ مِنَ الأَخْبَارِ مَالَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَيَسْنِدُ ذَلِكَ لِلسَّادَةِ المُتَقَادِمِينَ، فَلَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ هُمْ بِهَذِهِ المَثَابَةِ: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾(1).




