عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾(1)، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ؟
وَإِنَّ الإِنْسَانَ مَلَكٌ بِالقُوَّةِ وَشَيْطَانٌ بِالقُوَّةِ لِمَا فِيهِ مِنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ فَمَنِ اسْتَنَارَ عَقْلُهُ بِمَعْرِفَةِ رَبِّهِ عِنْدَ إِشْرَاقِ نُورِ وُجُودِهِ وَاسْتَعَدَّ لِقَبُولِ مَايَرِدُ عَنْهُ وَعَمِلَ صَالِحاً شَابَهَ المَلَائِكَةَ بِمَعْرِفَتِهِ وَلَحِقَ بِهِمْ وَصَارَ مَلَكاً بِالعَقْلِ وَالفِعْلِ، وَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ وَأَطَاعَ هَوَاهُ أَرْدَاهُ وَشَابَهَ الحَيَوَانَ بِالعَقْلِ وَالفِعْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾(2)، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ الإِنْسَانَ هُوَ الصِّرَاطُ مَابَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَيْ بَيْنَ عَالَمِ النُّورِ وَهُوَ العَقْلُ وَبَيْنَ عَالَمِ الظُّلْمَةِ وَهُوَ الحِسُّ.
الوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ مِنْ حَيْثُ أَنَّهَا رُوحَانِيَّةٌ لَطِيفَةٌ قُرِنَتْ بِجَسَدٍ جِسْمَانِيٍّ كَثِيفٍ وَهُمَا مُتَضَادَّانِ، وَاجْتِمَاعُهُمَا مِنَ العَجَبِ، إِذْ يَضُرُّهَا مَايَنْفَعُهُ، وَيَنْفَعُهَا مَايَضُرُّهُ، وَهِيَ لَادَاخِلَةٌ فِيهِ وَلَا خَارِجَةٌ عَنْهُ وَلَا مُتَّصِلَةٌ بِهِ وَلَا مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ، لِأَنَّهَا جَوْهَرٌ بَسِيطٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ، وَهِيَ حَامِلَةٌ لِلْجِسْمِ لَيْسَ هُوَ حَامِلُهَا، وَهِيَ مُدَبِّرَةٌ لَهُ لَيْسَ هُوَ مُدَبِّرٌ لَهَا، كَرَاكِبِ الدَّابَّةِ إِنْ أَحْسَنَ سِيَاسَتَهَا سَارَ بِهَا عَلَى الطَّرِيقِ الوَاضِحِ آمِناً مِنَ العِثَارِ، وَإِنْ هِيَ سَاسَتْهُ




