نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ رِعَايَتِهِ وَمَنَّ عَلَيْهَا بِهِدَايَتِهِ وَأَلْهَمَهَا مَحَبَّتَهُ، فَكَانَتْ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(1)، وَإِنْ مَالَتْ مَعَ الهَوَى وَغَلَبَتْ عَلَيْهَا شَهَوَاتُ الدُّنْيَا، وَاحْتَوَى عَلَيْهَا الشَّيْطَانُ وَنَسِيَتْ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ أَلْبَسَهَا ثَوْبَ الذُّلِّ وَالهَوَانِ، فَحَصَلَ فِيهَا الجُحُودُ وَالإِنْكَارُ وَالمُعَانَدَةُ وَالاِسْتِكْبَارُ وَكَذَّبَتْ حَقَائِقَ الأَخْبَارِ وَطَفَتْ بِوَبَالِهَا الأَنْوَارُ، فَحِينَئِذٍ لَايَنْفَعُهَا الأَعْذَارُ وَالإِنْذَارُ، فَإِذَا مَصِيرُهَا إِلَى النَّارِ وَبِئْسَ القَرَارُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ الَّتِي فِي الإِنْسَانِ لَهَا قُوًى ثَمَانِيَةٌ، فَمِنْهَا ظَاهِرَةٌ وَمِنْهَا بَاطِنَةٌ، فَالظَّاهِرَةُ مِنَ الإِنْسَانِ، وَالبَاطِنَةُ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ التَّخْيِيلُ وَالفِكْرُ وَالذِّكْرُ وَمَجْمُوعُ هَذَا يُقَالُ لَهُ الرُّوحُ النَّفْسَانِيُّ، وَإِنَّ مِنْ شَأْنِ القُوَى البَاطِنَةِ إِذَا اِنْجَذَبَتْ إِلَى النَّفْسِ فَعَلَتْ العَدَالَةَ وَالعِفَّةَ وَالدِّيَانَةَ وَالنَّبَاهَةَ وَالخَيْرَاتِ، وَإِذَا اِنْجَذَبَتْ إِلَى جِهَةِ القُوَى الظَّاهِرَةِ مَالَتْ بِصَاحِبِهَا إِلَى أُمُورِ الدُّنْيَا، وَمَتَى غَلَبَتْ عَلَى النَّفْسِ النَّاطِقَةِ مَالَتْ بِصَاحِبِهَا إِلَى الرَّذَائِلِ وَمُنَاسَبَةِ البَهَائِمِ وَاكْسَبَتْ مِنَ الحَيَوَانَاتِ أَخْلَاقاً مَفْسَدَةً نَجِسَةً مُبْعِدَةً لَهَا عَنْ رُوحِ قُدْسِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ فَهِيَ كَمَنْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ




