وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ شُعْبَةَ الحَرَّانِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِهِ المَوْسُومِ بِالأَصَيْفَرِ: بِأَنَّ تَرْكِيبَ الإِنْسَانِ مِنْ جَوَاهِرِ الأَرْكَانِ جَمَعَ عَلَى صِغَرِهِ مَا فِي العَالَمِ الأَعْظَمِ وَعَلَى كِبَرِهِ خَلْطاً مِنْ جَمِيعِ الأَخْلَاطِ الأَرْبَعَةِ، وَجَعَلَ أَجْزَاءَ بَدَنِهِ مُنَاسِبَةً لِمَا فِي العَالَمِ الأَعْلَى بِحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لِيَدُلَّ عَلَى لَطِيفِ الصُّنْعِ وَخَفِيِّ الكَوْنِ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ، وَجَعَلَ فِي الإِنْسَانِ ثَلَاثَةَ أَرْوَاحٍ، طَبِيعِيَّةٌ وَنَفْسَانِيَّةٌ وَرُوحَانِيَّةٌ، شَارَكَ بِالطَّبِيعِيَّةِ النَّبَاتَ وَسَائِرَ الكَائِنَاتِ، وَشَارَكَ بِالحَيَوَانِيَّةِ أَنْوَاعَ الحَيَوَانِ، وَشَارَكَ بِالنَّفْسَانِيَّةِ عَالَمَ العَقْلِ وَعَالَمَ الإِنْسَانِ، وَلَهُ نَفْسٌ رَابِعَةٌ اِنْفَرَدَ بِهَا نَوْعُ الإِنْسَانِ وَهِيَ النَّاطِقَةُ العَاقِلَةُ المُنِيرَةُ المُفَكِّرَةُ المُدَبِّرَةُ المُسْتَمِدَّةُ مِنَ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ مَا ارْتَسَمَ فِي ذَاتِهَا مِنْ صُوَرِ المَعْقُولَاتِ المُرْتَسَمَةِ عَنِ العَقْلِ الفَعَّالِ المُسْتَمَدِّ مِنْ جَانِبِ العِنَايَةِ الأَزَلِيَّةِ، فَهُوَ يُفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ قُوَّتِهِ الَّتِي اِسْتَفَادَهَا مِنْ وَاهِبِ العَقْلِ وَالجُودِ، وَمُفِيضِ الخَيْرِ عَلَى كُلِّ وُجُودٍ فَتَتَلَقَّاهَا النُّفُوسُ الفَاضِلَةُ الخَيِّرَةُ المُسْتَمِدَّةُ مِنْهُ عَلَى حَسَبِ اِسْتِعْدَادِهَا وَقَبُولِهَا فَيَرْتَسِمُ فِي ذَوَاتِهَا مَا ارْتَسَمَ فِي العَقْلِ الفَعَّالِ مِنْ صُوَرِ الحَقَائِقِ الإِلَهِيَّةِ فَيَنْطِقُ بِالكَائِنَاتِ وَيُخْبِرُ بِعَجَائِبِ الأَرْضِينَ وَالسَّمَوَاتِ، وَيُشَاهِدُ العَالَمَ الأَعْلَى مُشَاهَدَةَ عِيَانٍ لَايَقْطَعُهَا الزَّمَانُ وَلَا يُفَرِّقُهَا المَكَانُ، مُتَّصِلَةٌ بِالعَالَمِ الإِلَهِيِّ أَشَدَّ اِتِّصَالٍ، لَاتَشْغَلُهَا الشَّوَاغِلُ وَلَا تَعِيقُهَا العَوَائِقُ، فَتِلْكَ النَّفْسُ مُتَّحِدَةٌ بِمَبْدَاهَا مُسْتَمِدَّةٌ مِنْ مَوْلَاهَا، وَقَدْ




