وَالجِبَالِ وَالبَرَارِي المُقْفِرَةِ وَالمُدُنِ العَامِرَةِ وَعَدَدَ سُكَّانِهَا بَرّاً وَبَحْراً وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُنْكِرِينَ وَعَنِ الحَقِّ مُبْعَدِينَ، وَكَذَلِكَ المُنَجِّمُونَ صَنَّفُوا رَسَائِلَ وَأَزْيَاجاً وَجَدَاوِلَ يَعْلَمُوا مِنْهَا طُولَ الأَقَالِيمِ وَعَرْضِهَا كَمْ هِيَ مِقْدَارُ سَاعَةٍ أَوْ دَرَجَةٍ أَوْ دَقِيقَةٍ أَوْ ثَانِيَةٍ، وَعَلِمُوا مِنْ دَقَائِقِ الأَفْلَاكِ أَنَّ الأَرْضَ كُرَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ يُحِيطُ بِهَا بَحْرٌ يَمْنَعُ السَّالِكَ، وَذَلِكَ لِضَبْطِ حَرَكَاتِ الكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ فِي سَيْرِهَا وَهُبُوطِهَا وَصُعُودِهَا وَاسْتِيلَائِهَا عَلَى الأَقَالِيمِ كَوْنِهَا كُلِّ إِقْلِيمٍ لَهُ كَوْكَبٌ يُظْهِرُ فِيهِ طَبِيعَتُهُ وَأَحْكَامَهُ.
وَعِنْدَ أَهْلِ البَاطِنِ: إِنَّ هَذِهِ الكَوَاكِبَ مُقَلَّدِينَ بِتَدْبِيرِ حَرَكَاتِ المَلِكِ بِأَسْرِهِ سَمَاءً وَأَرْضاً، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ المُنَجِّمِينَ لَايَقْدِرُونَ عَلَى ضَبْطِ كَوْكَبٍ مِنْ هَذِهِ الكَوَاكِبِ إِلَّا بِمَسِيرِ القَمَرِ، فَإِذَا حَقَّقُوا ذَلِكَ وَأَخَذُوا سَيْرَ الكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ وَعَلِمُوا مَرَاكِزَهُمْ فِي سَاعَةِ السُّؤَالِ تَبَيَّنَ لَهُمْ سَعَةُ الفَلَكِ وَفَهِمُوا السُّعُودَ وَالنُّحُوسَ وَمَا يَحْدُثُ فِي الأَقَالِيمِ مِنْ عَامٍ إِلَى عَامٍ.
وَأَمَّا صُورَةُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ حَامِلُهَا فَإِنِّي أَقُولُ وَبِاللهِ المُسْتَعَانُ: إِنَّ صُورَةَ الإِنْسَانِ مِنْ إِحْدَى العَجَائِبِ وَهِيَ مَجْمَعُ الأَكْوَانِ السِّتَّةِ وَالطَّبَائِعِ الأَرْبَعِ وَتَرْكِيبُهَا مِنْ حِكْمَةِ الصَّانِعِ الحَكِيمِ.




