وَأَرْكَسُ لِجُحُودِهِ وُجُودَ الصَّانِعِ وَاتِّخَاذِهِ أَبْخَسَ البَضَائِعِ، ثُمَّ اِسْتَشْهَدَ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الصَّانِعِ بِشَاهِدٍ يَفَكِكُ عُرَاهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبُو الهَيْثَمِ السِّرِّيِّ وَلَدِ سَيِّدِنَا الخَصِيبِيِّ حَيْثُ قَالَ:
فَلَوْ ظَهَرَ المَعْبُودُ فِي كُلِّ ذَاتِهِ | تَبَادَرَتِ الأَجْسَامُ مُحْتَرِقَاتِ | |
وَلَكِنْ نَفْسُ العَدْلِ فِينَا ظُهُورُهُ | إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِهِمْ بِثَبَاتِ | |
وَذَلِكَ مِثْلُ البَحْرِ تَنْظُرُ شَطََّهُ | وَلَيْسَتْ عَجَائِبُهُ بِمُلْتَحَظَاتِ |
فَأَقُولُ إِنَّ هَذَا شَاهِدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَعْنَى ظَاهِراً بِذَاتِهِ لِا بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَكِنَّهُ مِنْ عَدْلِهِ فِي بَرِيَّتِهِ وَإِنْصَافِهِ فِي رَعِيَّتِهِ تَلَطَّفَ لَهُمْ فَرَأَوْهُ مِنْ حَيْثُ هُمْ لَامِنْ حَيْثُ هُوَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَلَوْ ظَهَرَ المَعْبُودُ فِي كُلِّ ذَاتِهِ تَبَادَرَتِ الأَجْسَامُ مُحْتَرِقَاتِ: لَيْسَ بِمَعْنَى أَنَّ البَارِي تَعَالَى أَظْهَرَ بَعْضَ الذَّاتِ وَأَخْفَى بَعْضٍ وَلَكِنَّ المَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ البَارِي ظَاهِرٌ بِكُلِّيَّةِ الذَّاتِ، وَلَكِنَّ المَخْلُوقِينَ يَعْجَزُونَ عَنْ نَظَرِ الإِدْرَاكِ وَذَلِكَ مِثْلُ البَحْرِ تَنْظُرُ شَطَّهُ وَلَيْسَتْ عَجَائِبُهُ بِمُلْتَحَظَاتِ، فَالبَحْرُ ظَاهِرٌ كُلَّهُ لَيْسَ بَعْضُهُ وَلَكِنَّ عَجَائِبَهُ لَاتُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وَهَكَذَا وُجُودُ البَارِي تَعَالَى فَهُوَ ظَاهِرٌ بِكُلِّيَّةِ الذَّاتِ كَمَا قِيلَ فِي الدُّسْتُورِ: إِنَّ الصُّورَةَ المَرْئِيَّةَ هِيَ الغَايَةُ الكُلِّيَّةُ، لَيْسَتْ بِكُلِّيَّةِ البَارِي بِالجِنْسِ وَالمَنْظَرِ وَلَيْسَ




