ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا كَانَ قَابِضُ الأَرْوَاحِ بَيْنَهُمْ وَهُمْ لَا يَرُونَهُ وَلَا لِعِزْرَائِيلَ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِهِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، فَكَيْفَ لَهُمْ طَاقَةٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَالِكِ المُلْكِ؟
وَالفَقِيرُ يَقُولُ: فَانْظُرُوا يَا ذَوِي الأَذْهَانِ وَالفِكْرِ إِلَى هَذَا الشَّيْطَانِ المُكْفَهِرِّ المُتَرَبِّصِ مَا بَيْنَ الظِّلِ وَالحَرِّ، وَإِلَى هَذِهِ الأَمْثَالِ الَّتِي ضَرَبَهَا فِي عَدَمِ وُجُودِ ذِي الإِكْرَامِ وَالجَلَالِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِالصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي صَرَّحَتْ عَلَى المَنَابِرِ بِالإِعْلَانِ وَالكَشْفِ وَالبَيَانِ وَقَالَتْ أَنَا أَنَا، بِأَنَّهَا ذَاتُ المَعْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: فَكَيْفَ يَرَوْنَ رَبَّ الأَرْوَاحِ وَمَالِكَهَا، ثُمَّ يَقُولُ: فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ طَاقَةٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَالِكِ المَلِكِ، فَمَنَعَ رُؤْيَتَهُ بَعْدَ الإِثْبَاتِ، وَعَطَّلَ أَقْوَالَ المَوَالِي وَالسَّادَاتِ، فَقَدِ ارْتَدَّ عَنِ الدِّينِ، وَمَرَقَ عَنْ قَوْلِ الأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ وَأَقَرَّ وَأَنْكَرَ وَآمَنَ وَكَفَرَ.
وَقَوْلُهُ عَنِ الأَرْوَاحِ: إِنَّهَا لَا تُرَى عِنْدَ خُرُوجِهَا، فَحَقٌّ أَقُولُ أَنَّهَا لَا تُرَى وَذَلِكَ لُطْفَاً مِنَ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَتْ رُوحُ المَخْلُوقِ المَنْقُولِ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ لَازْدَادُوا أَسَفاً وَتَمَيَّزُوا غَيْظاً لِخُرُوجِهَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا، فَأَخْفَى اللهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ إِشْفَاقاً، وَهُوَ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِعَدَمِ رُؤْيَتِهَا، إِذْ لَيْسَ رُؤْيَتِهَا مِنَ الفَرَائِضِ المَحْتُومَةِ وَالسُّنَنِ المَرْسُومَةِ بَلِ الفَرِيضَةُ




